"شخصيات لها تاريخ"
كتاب يحكي تاريخ وحاضر ومستقبل مصر
عرض: محمد زرير أن تعرض مسيرة بعض الشخصيات المهمة قد تكون مهمة ممكنة وفي أحيان كثيرة سهلة نسبياً، وأن تستعرض تاريخ دولة وتتوقف أمام بعض الشخصيات المؤثرة في مسار هذا التاريخ مهمة اختار المؤرخون إتمامها، ولكن أن تقرأ تاريخ وحاضر ومستقبل أمة من خلال شخصيات رحلت عن دنيانا وأخرى لا تزال تعيش بيننا حتى الآن لا شك أنها مهمة تتسم بالصعوبة، وفي أحيان أخرى بالاستحالة، لا سيما إذا ما أراد الكاتب أن يثير من خلال عرضه وتحليله قضايا فلسفية شغلت ولا تزال تشغل عقولنا وأذهاننا حتى الآن، وقد اختار جلال أمين أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة تلك المهمة في كتابه الأخير "شخصيات لها تاريخ" حيث استعرض الكاتب تاريخ وحاضر مصر من خلال استعراض تاريخ 31 شخصية مصرية وعربية وعالمية أثرت ولا تزال تؤثر في الحياة المصرية بكل جوانبها، كما حرص الكاتب على استشراف المستقبل من خلال حرصه على طرح العديد من القضايا الفلسفية التي تثيرها حياة أي من هذه الشخصيات، والتي يعد الإجابة أو محاولة الإجابة عنها، بل وعلى الأقل إدراكها، الخطوة الأولى نحو صياغة مستقبل أكثر إشراقاً، ليس لمصر وحسب، وإنما للدول العربية جميعا، التي لا تزال تعاني هي الأخرى تلك تداعيات تلك القضايا الفلسفية التي تؤرق حياتنا رغم عدم إدراكنا لها.
ثلاثمائة وخمس عشرة صفحة من القطع المتوسط هو حجم الكتاب الذي بين أيدينا، الذي ينقسم إلى 31 فصلاً يحمل كل منها اسم إحدى الشخصيات التي وصفها الكاتب بأنها "شخصيات لها تاريخ"، إضافة إلى مقدمتين صغيرتين للغاية إحداهما للطبعة الأولى عام 1996 والثانية للطبعة الثانية عام 2008، لم تتجاوز أي منهما الفقرتين، وكأن لسان حال الكاتب يحث القارئ على الولوج سريعاً بين صفحات الكتاب للاطلاع على ما يحويه من أسرار وأفكار ورؤى .
لم يحدد المؤلف المعايير التي استخدمها لاختيار تلك الشخصيات التي لها تاريخ، ولكن من الواضح أن انطباعات الكاتب ورؤيته الخاصة حول تلك الشخصيات هي المعيار الوحيد الذي يستنتجه القارئ في البداية، ولكن مع الاستمرار في القراءة يظهر له معيار آخر ألا وهو أن كل شخصية من تلك الشخصيات تمثل حالة نموذجية لأحد النماذج من الشخصيات المؤثرة، سلباً وإيجاباً، على تاريخ الأمة، المصرية والعربية، والتي يعد دراستها وتحليل تجربتها أمراً بالغ الأهمية ليس للاطلاع على التاريخ، ولكن أيضا لإدراك الحاضر واستشراف المستقبل، خاصة أن حياة كل شخصية من تلك الشخصيات تثير قضية فلسفية شديدة الأهمية والتأثير في حياتنا، فبروز الكاتب الصحفي الراحل أحمد بهاء الدين، الذي نجح في بناء جماهيرية عريضة له وفي الوقت نفسه نجاحه في الاقتراب من السلطة رغم معارضته لها، وذلك في خمسينيات القرن الماضي بالتزامن مع عباقرة مماثلين له في مجالات أخرى أمثال صلاح جاهين وأحمد عبد المعطي حجازي ويوسف إدريس ونجيب محفوظ، مما أثرى الحياة الثقافية والسياسية المصرية آنذاك، ثم توقف الجميع عن الإبداع بشكل أو بآخر في فترة زمنية واحدة بالتزامن مع تدشين الرئيس المصري الراحل أنور السادات سياسة خارجية واقتصادية جديدة ابتداء من منتصف السبعينيات، إنما يثير تساؤلاً جوهرياً حول تأثير الأوضاع السياسية والاقتصادية على الحياة الثقافية في أي مجتمع، وهو ما يثير التساؤل حول أسباب تراجع دور العالم العربي في مختلف المجالات البعيدة عن السياسة والاقتصاد، حتى بات البعض ينظر إلى تلك المنطقة من العالم بأنها باتت عبئاً على العالم، بعد أن نضب منها العلماء والمفكرون الذين أثروا العالم بأفكارهم وأبحاثهم واختراعاتهم.
أما حياة السياسي المصري فتحي رضوان فتثير من وجهة نظر الكاتب قضية العلاقة بين السياسة والأخلاق وأيهما المتغير التابع والمستقل، ففتحي رضوان المعارض الذي شغل مناصب وزارية اعتبره الكاتب نموذجاً لما يمكن تسميته بـ"المعارض الأبدي" وهو نموذج من البشر تأتي معارضتهم الأبدية للسلطة مهما كانت مناصبهم من أنبل الدوافع وأرفعها شأناً، ذلك لأنهم يتميزون أولاً باعتزاز شديد بالنفس وبرغبة حقيقية في تحقيق مصلحة الوطن، ويمتلكون قدرة كبيرة على تمييز الخط الفاصل بين الحق والباطل في أكبر الأمور وأصغرها، كما يمتلكون الشجاعة التي تساعدهم على الجهر بالحق ومعارضة الباطل مهما كانت النتائج، ويقول الكاتب إن هذا النوع من الرجال تجده لا يكاد يقترب من السلطة حتى يبتعد عنها، إذ إنه حتى في أكثر العهود صلاحاً وإخلاصاً، يزعج السلطان بذلك الاعتداد بالنفس وتلك الجرأة الغريبة على الجهر بالحق، ولذا كانت فترة اقتراب رضوان من السلطة قصيرة للغاية ولا تتعدى 72 شهراً في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
يتساءل الكاتب: "لماذا يبدو التمسك بالمبادئ الأخلاقية في ميدان السياسة آخذاً في الانحسار؟"، ويجيب قائلاً: إن هناك تطورات لحقت بالسلطة وجمهور الناس على السواء، حيث ازداد جبروت الدولة وامتلاكها أدوات ضخمة للسيطرة على الناس، فيما أصبحنا نعيش عصر "صغار الناس" الذين باتوا يفرضون علينا ليس نوع السلع التي ننتجها أو المسلسلات التي نراها، وإنما أيضا نوع الأخلاق السائدة.
جمال حمدان مفكر مصري فريد من نوعه في كل شيء، بات كتابه التاريخي "شخصية مصر" اسماً على مسمى، ولكن جلال أمين يؤكد في كتابه الذي بين أيدينا أن حمدان لم يكن مجرد مفكر أعطانا دروساً في الجغرافيا وعلم الاجتماع والمواقف السياسية النبيلة وحب الوطن، ولكنه لقنا درساً آخر في الحياة والعلم بعد أن عاش حياة أقرب إلى حياة الرهبان وزهداً في المال والمنصب ودرجة كبيرة من العزلة والابتعاد عن خضم الحياة الاجتماعية والسياسية، فقد كان حمدان في نظر أمين ما يشبه الضمير للمثقفين المصريين.
وتظل علاقة المثقف بالسلطة هي القضية الفلسفية الأكبر التي يتناولها جلال أمين في كتابه، حيث يضرب من خلال بعض شخصياته العديد من الأمثلة في شكل وطبيعة تلك العلاقة، ومن أبرزها الكاتب الراحل لطفي الخولي الذي يصفه أمين بأنه بالصائد في أعالي البحار، وهو صنف من المثقفين تستخدمهم السلطة لما يشبه "تجنيد" المثقفين الآخرين و"ترويض" المثقفين المعارضين، وهو ما يتطلب صفتين رئيستين لم تتوافرا سوى في الخولي الذي قاد التطبيع الثقافي مع إسرائيل ضمن حركة "كوبنهاجن"، وهما: الذكاء الكافي للإحاطة بالحجج التي قد يثيرها المعارضون واختراع ردود قوية عليها، والجرأة الكافية لتحمل مغبة الخوض مع المعارضين في معارك مستمرة الظفر فيها ليس مؤكداً.
العلاقة بين العلم والسياسة كانت أيضا من ضمن القضايا التي أثارها الكتاب، وذلك عندما تطرق المؤلف إلى العالم المصري أحمد زويل الفائز بجائزة نوبل، حيث توقف الكاتب أمام الزيارة التي قام بها زويل إلى إسرائيل وقبوله تكريم تل أبيب له وإلقائه خطاباً أمام الكنيست الإسرائيلي، مبرراً كل ذلك بأن "العلم لا وطن له" وأن هناك "فصلاً بين العلم والسياسة"، ويقوم الكاتب بمهمة الرد على تلك الحجج التي ساقها زويل، مؤكداً أن تلك الحجج فارغة ولا تتطلب الرد عليها، مشيراً إلى أن هناك في السابق من يدعو إلى فصل الاقتصاد عن السياسة، والثقافة عن السياسة، بحجة أن الاقتصاد لا وطن له، والثقافة لا وطن لها، حتى بات الوطن لا وطن له، ولم يعد هناك من يدافع عن الوطن.
ولم تكن الظاهرة الفرعونية غائبة عن الكاتب، ولكنه قام بتحليلها من خلال قراءة وتحليل أسلوب تعامل الجماهير مع المغنية الراحلة أم كلثوم، حيث تعوَّد الشعب المصري على التعامل مع بعض رموزه وكأنهم لا يخطئون ولا يمكن لأحد أن ينتقدهم، وهي ظاهرة قال الكاتب إنها تدعو للأسف لما تنطوي عليه من ظلم لكل من كان تحت فرعون، وهو ما لمسه من خلال إعجاب المصريين بمسلسل أم كلثوم الذي أذاعه التلفزيون المصري منذ سنوات وحرص مؤلفه ومخرجته على إظهار أم كلثوم وكأنها شخصية معصومة من الخطأ، ورغم انتقاد الكاتب لتلك الرؤى التي تنظر إلى بعض الشخصيات من منظور فرعوني إلا أنه يتبنى الرؤية ذاتها تجاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي حرص الكاتب على الدفاع عنه باستماتة وتحميل كل أخطاء عصره إلى أناس آخرين، أو إلى عصر الرئيسين السادات ومبارك، فقد نهى الكاتب عن فعل ولكنه أتى بمثله، ليؤكد ضمناً أن الظاهرة الفرعونية هي البلاء الأكبر في أمتنا، وهي الظاهرة التي يجب أن نسعى جميعاً لمحاربتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قربت أموت
بانده عليكى بأعلى صوت
دفينى بحنانك لاموت
بانده ولا بيجينى صوت
ما تردى يا امه بنظره حتى من عنيكى
فـرغلى هــارون