تابع حوار الدكتور سمير أمين
* بخصوص الحالة الاقتصادية السائدة في العالم العربي هل نستطيع القول إن الرأسمالية هي النموذج السائد؟ وهل هي رأسمالية حقيقية أم كمبرادورية "وسيطة" لا أكثر؟
- نحن لا يمكننا أن ننفصل عن المنظومة العالمية الرأسمالية السائدة التي تعمل من خلال منظومة المراكز السائدة واستقطابها للأطراف أو التخوم التابعة والمحكوم عليها من خلال المراكز وهذا التضاد هو أساسي في تحليلي لحقيقة الرأسمالية البرجوازية وما لدينا بصفة أساسية "ودائما هناك استثناءات" هو نموذج كمبورادوي وسيط بين رأس المال السائد عالميا والطبقات الشعبية التي تستغلها جماعات الرأسمالية الوطنية الوسيطة وهناك كمبرادورية غنية وأخرى فقيرة، فبعض الدول العربية الغنية تتصور أنها لحقت بمستويات الرأسمالية المتقدمة غير أنهم في حقيقة الأمر تابعون وإن كانت تبعية الغني غير تبعية الفقير مع الأخذ في الاعتبار أن قلة عدد السكان في تلك الدول يعطيها أحيانا الإحساس بأنها ليست تخوما لكن في حقيقة الأمر عندما تنظر إلى دورهم في المنظومة العالمية تجد أن دورهم سلبي لا يتجاوز التكيف بالمعنى السلبي، أي الخضوع دون أي مساهمة إيجابية حقيقية في تكوين ومسيرة المنظومة الرأسمالية العالمية.
*كثيرون يلقبونك بأنك مفكر ضد العولمة وربما يكون هذا صحيحا في إطار الدور التنظيمي والطليعي لك في حركات مناهضة العولمة... لماذا أنت على هذا الحال؟
في حقيقة الأمر أنا لست ضد العولمة، أنا ضد النمط الرأسمالي للعولمة التي نعاني منها في الظروف الراهنة، وعندي أن العولمة ليست ظاهرة جديدة بل قديمة جدا ربما قدم البشرية نفسها فقبل العولمة الحديثة الرأسمالية حدثت أمواج من العولمات الأخرى، انظر إلى تاريخ نشأة وانتشار الأديان الكبرى المسيحية اليهودية، الإسلام ومن قبلها البوذية في الهند والصين ألم يكن هذا الانتشار عولمة، طريق الحرير وأشكال التجارة العالمية ألم تكن جميعها مشاهد عولمة؟
غير أن ما حصل نتيجة الرأسمالية هو شكل جديد من العولمة القائمة على العلاقات الاجتماعية الرأسمالية لاستغلال العمل في ظروف الرأسمالية ونهب الشعوب التابعة أو الخاضعة للسيادة الإمبريالية هذا نمط جديد من العولمة وأنا وغيري من التيار المناهض للعولمة نميز في مجابهتنا بين هذا النهج وبين منهاج آخر يسعى لتطوير العولمة نحو شكل آخر يعطي لجميع الشعوب فرصتهم على قدم المساواة في الحياة وفي العلاقات الاجتماعية والإنسانية، لسنا ضد العولمة على أرضية المبادئ المطلقة بل ضد هذا النمط من العولمة الرأسمالية المتوحشة.
* كمفكر اقتصادي لماذا باتت الولايات المتحدة الأمريكية في طليعة العولمة الرأسمالية حول العالم؟
- لسبب بسيط وهو أنه في المرحلة الراهنة وإن كنت أعتقد أنها لن تستمر طويلا، الولايات المتحدة أصبحت القائد للتكتل الاستعماري الإمبريالي، وهذا يعود بنا للحديث عن إمبريالية جماعية لمثلث أمريكا وأوروبا واليابان، والدور الطليعي الأمريكي حتى ولو بالمنظور السلبي يمكن فهمه في إطار التفوق العسكري وسيادة المثلث العولمي الذي يتطلب عسكرة العولمة أو عسكرة هذا الشكل من العولمة، وما نراه حاليا في فلسطين والعراق وأفغانستان وبلاد أخرى ما هو إلا وجه من وجوه عسكرة العولمة ولأن الولايات المتحدة هي القوة العسكرية والسياسية التي تستطيع لعب هذا الدور أكثر من أي قوة أخرى لذا باتت الأمركة هي السمة الغالبة للنظام المعولم وهذا يجرنا لأشكال وأبعاد أخرى للأمركة الثقافية شبه العلمية أو العلماوية وكتابي عن الفيروس الليبرالي يركز على هذه الأبعاد المرتبطة بعسكرة العولمة وأمركتها.
* إلى أين قادت عولمة العسكرة الولايات المتحدة الأمريكية على نحو خاص ولا سيما في السنوات الثماني المنصرمة؟
- العولمة الأمريكية المعسكرة السائدة حاليا لها أبعاد عديدة ولها نقاط ضعف مختلفة منها أنها قائمة على عولمة النظام المالي، والحادث أن الجانب المالي للنظام الأمريكي المعلوم دخل بالفعل في أزمة وهذه الأزمة ستتفاقم في السنوات القادمة ولا أود القول الأسابيع أو الشهور القادمة، لكن في خلال سنوات لا أكثر من ذلك وهو ما ظهر أخيراً بمنتهى الوضوح وبدا معه أن النظام الأمريكي لا يعرف كيف يتعامل مع هذه الأزمة المالية والتي ستؤدي ولاشك إلى نوع من الانهيار لآليات التراكم كما هي وبالتالي ستكون فرصة لحركة الطبقات الشعبية بما هو موجود منها داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها وأكثر منها داخل المجتمع الأوروبي لإعادة النظر في قبولها لسيادة منطق الرأسمالية.كما أن هذه الأزمة ستعطي فرصة كبيرة لبلدان العالم الثالث خاصة البلدان التي يقال عنها صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وبعض الدول الأخرى للتخلص أو محاولة التخلص جزئيا على الأقل من أشكال التبعية السائدة حاليا وفرصة العالم العربي بدورها كبيرة في هذا السياق وأظن أن هذه ستكون نهاية السيادة الأمريكية على العولمة.
* في وجه الإمبريالية الأمريكية ونهجها للسيطرة على العالم ما الذي تحتاجه الشعوب - لوقف الإنزياحات الإمبريالية المخيفة؟
ما تحتاج إليه الشعوب اليوم كما بالأمس وإن كان في إطار ظروف بنيوية مختلفة و مشروعات مجتمعية مترابطة في إطار هياكل عولمة مقننة ومتفق عليها تحقق تقدما متزامنا ومتوازيا في اتجاهات ثلاثة:
1 - التقدم الاجتماعي : وهذا يقتضي أن تقدم الاقتصاد يواكبه بالضرورة تقدم اجتماعي يخدم الجميع بضمان الحق في العمل والاندماج الاجتماعي والتقليل من التفاوت على سبيل المثال.
2 - دمقرطة المجتمع : بجميع أبعاده بوصفها عملية دائمة وليس مجرد وصفة ثابتة لا تتغير والديمقراطية تتطلب التوسع في مجالات تطبيقها لتشمل الإدارة الاقتصادية والاجتماعية ولا تتوقف عند مجال الإدارة السياسية للمجتمع.
3 - التأكيد على الطبيعة المتمركزة على الذات: للمشروعات المجتمعية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي بناء أشكال من العولمة لتسمح بهذا وأؤكد أن النضال ضد إمبريالية الولايات المتحدة ومخططها العسكري هو نضال كل الشعوب، نضال أهم ضحاياه في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وكذلك شعوب أوروبا واليابان المحكوم عليهم بالتبعية.
* هل توافق بول كيندي بان أمريكا باتت على مشارف الأفول كإمبراطورية؟
- هي دخلت بالفعل في مرحلة الأفول وأنا أتفق تماما مع بول كيندي وخير دليل على صدق توجهاته ما يحدث في العراق الآن حيث إن القوة العسكرية للاحتلال لم تستطع أن توجد نظاما مواليا لها يتمتع بحد أدنى من الشرعية وبالقبول وهذا فشل سياسي وليس فقط فشلا عسكريا بالمعنى الضيق للكلمة.غير أن ما يجب الإشارة إليه هو أن ما يجري في العراق هو فشل مزدوج فشل أمريكا في إيجاد نظام موال لها يتمتع بقدر من الشرعية والقبول من الشعب العراقي، وفشل الشعب العراقي في أن يجد بديلا للاحتلال والنظام الحالي، وأظن أن هذا يعود بنا إلى إشكالية الراديكالية التي استفحلت على الصعيد العراقي بعد غياب نظام صدام حسين وأضحى العراق عاجزا عن بلورة شكل بديل ومغاير للاحتلال أو للنظام السابق.
* الولايات المتحدة يدفعها حافز لجهة دمقرطة العالم.... ما مدى صحة تلك العبارة من خطئها عندك؟
- لا ديمقراطية دون نضال اجتماعي لتحقيق العدالة الاجتماعية والتطلع إلى نظام دولي متعدد المراكز، والسلطة الحاكمة في الولايات المتحدة تعرف ذلك، وهي لهذا السبب تحاول أن تفرض نظامها الدولي المسيطر بإحلال القوة العسكرية محل القانون وهي تعرف أن هذا هو السبيل الوحيد لفرض النظام الاجتماعي "النيولبرالي" الجائر وبالتالي تقضي على الديمقراطية حيثما وجدت وتمنعها من الظهور في أي مكان آخر، وعلى حركات المقاومة ونضالات الشعوب أن تفهم ذلك هي الأخرى.. أن تفهم أن مشروعاتها للتقدم الاجتماعي والديمقراطي لن يكون لها مستقبل إلا بعد دحر مشروع السيطرة العسكرية للولايات المتحدة.
* ما الذي يعوق قيام ديمقراطيات عربية حقيقية ذات بعد اجتماعي كما حدث في مواضع مختلفة حول العالم أخيراً؟
- على صعيد عالمي نجد أن الحراك الاجتماعي في العالم الثالث قائم في الوقت الحالي كطريق للديمقراطية على أرضية طبقية وأرضية التحديات الحقيقية للحياة اليومية كالأجور، ظروف العمل، التأمينات، الضمانات الاجتماعية، والتعليم والصحة وقد أنجزت خطوات على الأقل ولا أقول ثورات نحو التقدم بينما في مناطق أخرى في العالم ونحن في العالم العربي جزء منها لم نستطع أن نبلور حركات اجتماعية حول التحديات الحقيقية وبدا أن الوجه الماضوي الأصولي هو الوحيد السائد على السطح دون مشروع حقيقي على أرضية المعضلات الحياتية اليومية وهذه هي العقبة التي تمنع قيام تلك الديمقراطيات المنشودة.
* فيما يتعلق بالمشروعات الأمريكية حول العالم هل تراها ماضية قدما رغم ما أصابها من إخفاقات؟ أم أن الفشل الذي أصاب كثيرا من مخططاتها يمكن أن يرغمها على التراجع؟
- الاستراتيجية السياسية الأمريكية تختلق دائما الذرائع المطلوبة للتدخل العسكري والتي تتراوح ما بين مواجهة الإرهاب والتصدي لتجارة المخدرات وتوجيه الاتهامات بإنتاج أسلحة الدمار الشامل وهي ذرائع ملفقة إذا ما أدركنا التواطؤات التي أتاحت للمخابرات المركزية الأمريكية صنع عدو إرهابي على المقاس مثل طالبان وبن لادن كما أن الضوء الكافي لم يلق بعد على سياقات أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
أما عن التخلي عن هذا النهج فلا شيء في تكوين المجتمع الأمريكي يشير إلى ذلك فلم يسبق أن تخلى حزب رأس المال الأوحد الذي لا يمكن المجادلة حول سلطته في أمريكا عن هذه المغامرة العسكرية وفي هذا السياق لا يمكن التقليل من مسؤولية تلك الطبقة المتورطة في مجموعها فسلطة إدارة بوش الابن ليست سلطة طغمة رجال النفط وصناعة التسليح فالسلطة المهيمنة في أمريكا طوال تاريخها الحديث هي سلطة ائتلاف مصالح يجمع قطاعات من رأس المال.
* كيف تفسر مغازلة الولايات المتحدة لتيارات الإسلام السياسي في الآونة الأخيرة؟
- نظام الحكم الأمريكي، بما عرف عنه من استغلال لأخطاء الآخرين يعرف كيف يستخلص فوائد كثيرة من الإسلام السياسي فهو يستغل تخبطات الأنظمة التي تستلهمه مثل ما جرى مع نظام طالبان وهي في الحقيقة ليست تخبطات وإنما هي جزء لا يتجزأ من مشروعها ،كلما فكرت الإمبريالية في التدخل بفظاظة إن لزم الأمر، كما أن الحركات الإسلامية الوحيدة التي تهاجمها بلا تردد القوى السبع الكبار هي تلك التي تنخرط بسبب الظروف الموضوعية المحلية في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي مثل حماس وحزب الله وهذا ليس من قبيل الصدفة.
* تربط بين استغلال واشنطن للإسلام السياسي ومحاولة إضعاف المقاومة الشعبية الوطنية.. كيف يستقيم هذا الربط في ضوء عدد من نماذج المقاومة الإسلامية في المنطقة العربية؟
- دبلوماسية القوى السبع العظمى وخاصة الدبلوماسية الأمريكية تعرف جيدا ماذا تفعل عندما تؤيد الإسلام السياسي فقد فعلت ذلك في أفغانستان وأطلقت على الإسلاميين هناك اسم "المحاربين من أجل الحرية" ضد الديكتاتورية الشيوعية الفظيعة مع أن النظام الذي كان قائما هناك كان مجرد محاولة لإقامة نظام استبدادي مستنير حداثي وطني شعبي، كانت لديه الجرأة لفتح أبواب المدارس للبنات وهي مستمرة في هذا التأييد من مصر إلى العراق لأنها تعلم أن الإسلام السياسي سيحقق لها إضعاف مقاومة الشعوب المعنية وبالتالي تحويلها إلى الكومبرادورية.
ودعني أذكر بأنه في شهر نوفمبر الماضي كان لي مقال في مجلة الـ monthly review الأمريكية عنوانه المباشر مستفز وهو "الإسلام السياسي أداة في خدمة الاستعمار" وأشرت فيه إلى مصر كمثال لما يجري من تعاملات للولايات المتحدة مع القوى السياسية فيها وقلت إن القوى السياسية التي تحتل قلب المسرح السياسي في مصر الآن هي النظام و"الإخوان المسلمين" وما يسمى الليبرالية التي تزعم أنها ديمقراطية وهي ليست ديمقراطية على الإطلاق، فهي مجموعة رجال أعمال لهم مصالح والثلاث قوى هي قوى كمبرادورية، وأمريكا مدركة تماما أنه لا فرق بين النظام والإسلاميين والبديل الديمقراطي الليبرالي وأنها تستطيع أن تلعب بالأوراق الثلاث حتى تضغط على من هو في الحكم دون تغيير جوهري أساسي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قربت أموت
بانده عليكى بأعلى صوت
دفينى بحنانك لاموت
بانده ولا بيجينى صوت
ما تردى يا امه بنظره حتى من عنيكى
فـرغلى هــارون