إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى

منتدى دار إنسـانيات للبحوث والنشر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الإغتراب في أبعاده ومظاهره- مقالات منتخبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
علي كامل
أكاديمى



ذكر عدد الرسائل : 77
العمر : 58
التخصص : علم الاجتماع
الدولة : العراق- مقيم بليبيا
تاريخ التسجيل : 21/08/2008

مُساهمةموضوع: الإغتراب في أبعاده ومظاهره- مقالات منتخبة   7/9/2008, 6:55 pm

الأخوة الأكارم.. حياكم الله

شهد استفهام الإغتراب - عربياً - بعد كتابات الأستاذ حليم بركات حوله، والأعداد الخاصة من مجلة الفكر العربي القاهرية ومساهمات الأستاذ محمود رجب- عسى ذاكرتي ما تنكرت له رحمه الله، وعالم الفكر الكويتية، ونهوض هذه الدراسات في الجزائر ومصر ولبنان.. ونسبياً في الأردن، هبوطاً حاداً من الإهتمام وعزوفاً ملموساً من الباحثين سيما في الجانب الميداني منه، مما حرم المكتبة العربية تراكماً وتأصيلاً لهذا الموضوع في أبعاده التحليلة والتأشيرية وفي متغيراته الفاعلة وتأثيراته، ومظاهرة التي تعبر فعلاً عن كونه هتافاً سلبياً للصامتين، ورحم الله الأستاذ السيد عويس.
المقالات المنتخبة التي سترد تباعاً إنما هي دعوة للباحثين والمعنيين ان يضعوا أمامهم هذا الموضوع، مع مراعاة علياته البنائية التاريخية في مجتمعاتنا.. مع الإعتذار سلفاً من الباحثين الذين ننتخب مقالاتهم والناشرين، من كوننا لم نستأذنهم، وعذرنا أن ما نشر ويعاد نشره على الموقع الحالي إنما استعير عن مجلات ودوريات عامة، أجازت إعادة النشر والاقتباس، ولهم منا حقوقهم في التوثيق، وعلى بركة الله.

الاغتراب.. الحالة والآلية


محمد سليمان الزيات - مجلة فضاءات، طرابلس- ليبيا، العدد28، نوفمبر 2006، صص 25-33.
الرابط المباشر للمقالة:http://www.fadaat.com.ly/seemore.php?moreid=100&x=19&y=17

يعتبر الاغتراب حالة إنسانية من حيث الإنسان مزدوج الطبيعة، فهو من ناحية بيولوجية يرتبط بالطبيعة ارتباطاً وثيقاً حيث يستمد مقومات وجوده المادي، ومن ناحية أخرى فهو يعيش في جماعات ويعمل على إنتاج احتياجاته.
ومن اجتماع هذين المصدرين ينشأ التمزق الذي يبدو مستترا تحت طبقات من الفعل الإنساني ولكنه تمزق لا يندمل، إذ أنه يأخذ أشكالاً مختلفة في التعبير عن نفسه طبقاً لنوعية الفعل الإنساني وكثافة تراكمه، وذلك في كل تطور من تطور حياته الاجتماعية، ومن ثم طبيعة العلاقة التي تفرضها مرحلة ما من مراحل تاريخه بين مصدره الطبيعي ومصدره الاجتماعي/ الحضاري ونستطيع أن نعطي الأمثلة التي توضح لنا أشكال هذا الاغتراب في مراحل مختلفة من التطور البشري، حيث تجمع كثير من الدراسات على أن البدايات الأولى التي ساهمت في فصل الإنسان عن الطبيعة ترجع إلى استخدام الإنسان ليديه سواء في الاستزراع أو تشكيل الآنية الفخارية من الطين، وهما العملان اللذان حقق عن طريقهما الإنسان بدايته الأولى التي ميزته عن الحيوان الملتقط للثمار التي تجود بها الطبيعة دون أن يكون له دخل في إنتاجها وكان التفخير هو الذي فجر فيه قوة الخلق.
كذلك أمكن ملاحظة نقطة فارقة عند هذه البدايات، وهي النقطة التي تسجل قدرة الإنسان الفرد على إنتاج ما يزيد عن حاجته، سواء في منتوجه الزراعي أو في عملية التفخير أو الصيد وما يترتب عليه من منتجات، وما لهذه القدرة من إحداث متغير في المستويات الحياتية الاجتماعية والنفسية والذهنية للإنسان الفرد.
فعلى المستوى الحياتي المعيشي أنتجت هذه النقطة على خريطة بدايات التطور الإنساني [ص25] الثروةَ، وما تبعها من قيمة تفرعت لتسرى في مستويات اجتماعية وسياسية.
أما على المستوى الذهني فإنها ترتبط بأهم تفعيل لدماغ الإنسان وخلق مستحثات جديدة لم تكن لتظهر بدون اكتشاف هذه القدرة، ونستطيع أن نلاحظ داخل هذا التفعيل علاقة رهيفة ودقيقة صاحبت هذا التحول الذي يبدأ من اكتشاف الإنسان لقدرته على العمل في خلق حاجاته الضرورية واكتشاف إمكانية مضاعفتها لتعلو فوق احتياجاته، مثل ابتكار دولاب الفخار والذي مكن الصانع من تحسين منتوجه ومضاعفة إنتاجه.
فما هي تلك العلاقة الرهيفة التي يمكن أن نلمحها في خضم هذه العملية الإبداعية.
لاشك أن تخليق الطين في أشكال مختلفة لاستخدامها في الاحتياجات الاستعمالية قد ارتبط عند الإنسان الأول بحالة من الحضور الذاتي فيما يتم تخليقه، مما جعل اكتمال المنتوج في شكل ما جزء لا يتجزأ من ذاته باعتباره نتج من روحه ــ إذا جاز التعبير ــ إن هذه العلاقة بين الصانع ومنتوجه قد شكلت علاقة خاصة أضفت قيمة ذاتية على المنتوج جعلته ممثلا ومجسداً لحضور ذات الصانع. ولكننا سوف نجد ارتباطاً بين هذه الحالة وبين إمكانية مضاعفة الإنتاج وعلاقة ذلك بعدة مستويات أخرى اجتماعية واقتصادية خلقت إمكانية تبادل واسعة ليتحول المنتج إلى سلعة منفصلا بذلك عن صانعه، أو لنقول أن العلاقة الذاتية الخاصة بين المُنتج ومنتوجه قد ألحقها حالة انفصال، فها هي أشياءه التي هي في علاقة خاصة بذاته وحضورها وتحققها، تعطي إمكانية كبيرة لإحداث توازن داخلي يعبر عن حالة تعويضية، فعلاقة الصانع بمنتوجه من الناحية الذاتية هي التعويض عن هذا الشعور الغامض والمقلق الناتج عن انفصال الإنسان عن الطبيعة، بسبب منحى العمل ذاته، فإذا ما تحول هذا المنتوج إلى سلعة فإن هذه العلاقة تختل وتقع حالة من الفراغ الباطني ذو طبيعة فقديه وهي كذلك لأنها ناتج فقدين:
الأول: هو فقد العلاقة مع الطبيعة.
الثاني: هو فقد العلاقة الخاصة بين الصانع ومنتوجه.
هذين الفقدين يلتحمان معمقين فراغ الذات ليظهر كفقدان مركب أساسه الاغتراب عن الطبيعة ومن ثم يعمق باستلاب العلاقة التعويضية، التي هي ناتج عن عمل الإنسان [ص26] والمسبب في ذات الوقت للاغتراب التأسيسي، الاغتراب الطبيعي.
إن الفن يدخل هنا ضمن تلك العلاقة المركبة وربما من زاوية استعادة العلاقة المفقودة بين الإنسان والطبيعة والتي قد تأخذ شكل الاستعادة بالسيطرة الإدراكية ــ الأسر ــ لمفردات الطبيعة وخاصة تلك المفردات التي تبث فيه الخوف وتقوم بالتهديد الدائم لحياته أو تلك التي ترتبط بأسباب معيشته كحيوانات الصيد وأدواته المستعملة في هذا المجال.
فإذا أخذنا في الاعتبار الرسم كوسيلة لمعالجة هذا الفقد أو كلغة اتصال وكذلك نحت الأشكال المختلفة التي تتهدده، سواء كان ذلك بالأيقونات المحاكية، أو استخدامها كعلاقة لغوية هيروغرافية فإننا نكون بذلك قد حددنا ولو باختصار المناخ السحري الذي تجتمع فيه مكونات مرحلة تاريخية سحيقة في تاريخ الإنسان امتدت لتصل إلى قمة عصرنا هذا مستمرة معه، مدللة على استمرارية فاعلية الجذر الابستيولوجي للفقد المشدود بخيوط ارتكاسية نحو التاريخ السحيق للإنسان، والتي تتكون من بواعث الخوف والتهديد والقلق والتي دائما ما تكون في حالة جاهزية للالتفاف على عقل الإنسان ومنجزاته المعرفية وقدراته الإدراكية وتقدمه بشكل عام، وهي خيوط تطفو دائما لتوصل الإنسان ببدائيته التي لم يستطع رغم كل إنجازاته أن يتخلص منها.
فكان دائما هناك المعتقدات الشعبية التي تصيغ تلك المفردات الطبيعية في علاقة عضوية مع مخاوفه وشعوره بالتهديد الدائم على حساب الإدراك والوعي.
إن هذا المناخ المصاحب للإنسان عبر مراحل تاريخه المختلفة، إلى جانب أنه كان من أهم محفزات تخليق المخيلة الإنسانية كان مفرزا لبني معتقديه يحاول عن طريقها منطقة –من المنطق- وجوده الذي يشهد باستمرارية جدلية اغترابه التي ذكرناها سالفا.
وهو في طريقه نحو صنعه للحضارة الناتجة عن الفعل المتراكم لوجوده الاجتماعي المتسم باستمرارية نسبية تسمح له بتنمية الخبرات على الأرض.
إننا نرى الآن بوضوح أن الاغتراب بهذا المفهوم يشكل جذرا لتركيبة سوف تتضاعف مع تقدم الإنسان الدائم والمستمر، فعمله الذي به تمكن من إحداث تعويض لفقده نفسه ككائن طبيعي، هو نفسه الذي أحدث تخليق الذات الإنسانية والذات المبدعة في أطوارها عبر مراحل [ص27] حضارية متنوعة.
وقد أفضى العمل في خضم تطوره المتواصل إلى تطوير المزيد من الفائض، ليدخله هذا الفائض ذاته إلى الحالة المركبة من الاغتراب حيث تتحول العلاقة بينه وبين ما يصنعه بيديه، إلى "استلاب" لذلك المكون الذاتي ــ التعويضي ــ لحالة الفقد والذي كان قد اكتسبه عن طريق العمل ذاته.
إن العلاقة تبدو جدلية وذات وجهين. ففي الوقت الذي يكون فيه "العمل" تعويضا يكون محدثا في تطوره تضاعفا للحالة.
وهذه الآلية النفسية بهذا الإدراك تشكل نقدا للنظرة التي تنضدد الحالات المضاعفة للاغتراب دون إدراك للجدل الذي يعمل كآلية نفسية تنتج تركيبا يحتاج إلى إعادة النظر سواء في تنضيد المراحل أو الخلط بينها على السواء.
وفي هذا الإطار يجدر بنا أن ننظر إلى الحالة في امتدادها المعاصر مع بزوغ وتطور النمط الرأسمالي، الذي حفز الفلاسفة والمفكرين خاصة في القرن التاسع عشر في أوربا، إلى الالتفات لهذه القضية والتي شهدت تطورا في تناولها بالتحليل ابتداء من هيجل ثم فيورباخ وماركس الذي أعاد تناولها طبقا لمنهجه وفلسفته النقدية.
رابطا الحالة في تجليها المعاصر بالعمل، ومقدما توصيفا جديدا لها، أسماه بـ"التشيؤ" إلا أن الكثيرين لم يعطوا اهتماما لهذا المصطلح الجديد من حيث أهميته المعرفية، ويكفي أن نقرأ في الموسوعة الفلسفية العربية لمعين زيادة(1) لنتعرف على هذا الإهمال لذلك المصطلح. والذي ترجع أهميته في نظرنا إلى الإدراك الرهيف والماهر، لارتباط الحالة بتطورها الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي. والذي يعني بالنسبة لنا إمكانية إدراك لطبيعة (السستمة) التي تنطوي عليها الحالة في تطورها الاجتماعي.
إذ بهذا المصطلح ــ التشيؤ ــ Reification. نكون قد حصلنا على توصيف للحالة الثالثة لتطور مشكلة الاغتراب والتي سوف نتناولها بالتحليل لتتضح لنا تلك (السستمة) التي تعمل جدلياً بما لا يدع مجالا لإمكانية تجاهلها ومن ثم تجاهل تطور حالة الاغتراب.
إننا نحاول أن نرى الحالة في ديناميتها بدلا من التنضيد الاستاتيكي المخل الذي درج [ص28] الكتاب والمفكرين من أمثال ريتشارد شاخت(2) على اعتماده في عرضهم لهذه القضية.
فبينما كان الاستلاب هو وصف لتحول العلاقة بين المنتج وما تصنعه يداه إلى تسليع إبداعه الذاتي، أي تحولها من علاقة إبداع للذات وحضور متحقق لها، إلى استلاب هذه العلاقة وتسليعها، يكون التشيؤ منصبا على الإنسان ذاته من جراء التحول الرأسمالي المعاصر الذي حول الإنسان من كونه مبدع لعمله إلى عنصر من عناصر الإنتاج مشمولا بتقسيم دقيق للعمل، يقوم بالتكرار الدائم لإنتاج نفس الجزء المطلوب منه. كما أصبح المنتج مجرد ذره في مجموع ذرات فرادي يحسبون على عناصر الإنتاج كجزء من التكلفة فتهشمت نهائيا علاقته بما ينتجه، وتعالت منتجاته عليه في حالة من الانفصال تشمل هذه المرة علاقته بالسلعة التي ينتجها وكذلك انحداره من كونه إنسان ــ ذات ــ مبدعة إلى عنصر ضمن عناصر العملية الإنتاجية.
أي تحوله هو ذاته إلى شيء. حيث لم تعد العملية الإنتاجية في ظل النمط الرأسمالي عملية إنتاج اجتماعي تتم بالإنسان وللإنسان، وإنما عملية إنتاج يختفي فيها الإنسان ليتحول إلى آلة في نظام تديره الاحتكارات الرأسمالية لصالحها، مصنفاً تصنيفاً نوعياً، وتنظر إليه أيضا كرقم تشكل أعداده المحرومة من فرصة عمل، عبئاً على سياساتها الاقتصادية. وذهبت هذه الاحتكارات مؤخرا عبر منظريها، إلى ضرورة التخلص من أكثر من مليار إنسان بالإبادة عن طريق إثارة الحروب في مناطق مختلفة من العالم تقع معظمها في الشرق.
وإلى هنا نستطيع أن نسجل ثلاث مستويات لحالة الاغتراب تعمل بشكل جدلي مركب وصاعد نحو الحالة الأخيرة، تندرج تحتها كل في مرحلته حسب مستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمعات، كافة المظاهر والتفريعات.
فالاغتراب والاستلاب والتشيؤ، مصطلحات ثلاث نتجت في خضم النقاش المحتدم منذ القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن العشرين. وقد تمكنا من تمييز الجهاز المفاهيمي بينها بحيث لم يعد هناك لبس أو خلط يؤدي إلى تمييع منهجي يهدف إلى إخفاء العلاقة بين الحالة وبيئتها الاجتماعية والتاريخية. [ص29]
اللغة المغتربة
اللغة المكتوبة والمتكلمة مضافة إليها الصورة ليست بعيدة عن هذه البيئة بل هي حقل تنزرع فيه الحالة الاغترابية متجسدة أمامنا منتقلة من كونها إحساس ناتج أوضاع إنسانية، إلى أشكال لغوية قولا أو كتابة أو صورة أو مركب من بعضها أو رسم أو نحت أو تمثيل لتشكل خطابات متنوعة ونصوص تحمل المعنى وتُعدد الدلالة، أو مساهمات يراد منها أن تكون مقنعة كخطابات تاريخية أو سياسية.
فالتاريخ يعيد بناء التصورات باللغة عن فترات تاريخية مختلفة يتم التعامل معها تفاضليا لإبراز بناءات تصورية منتقاه صالحة للاندماج في معرفة تفاضلية مثقوبة بخيط أيديولوجي يعمل على نظمها في رؤية تجعل التاريخ كمعرفة قابل للدمج ومن ثم خاضع ومستسلم لعملية الاستحواذ.
بحيث يتم تكوين المتلقي وفق رؤية تفاضلية تستبعد رؤى أخرى مما يجعل حقيقة التاريخ الإنساني مشوشة وبعيدة عن الحقيقة، تلك التي تتحول في ظل رؤى متعددة إلى مجرد افتراض. إن هذا الفعل متصل بالهوية وله تأثيراته خاصة للإجابة على سؤال "من أكون" والذي لا يتحصل على إجابة شافية، إذ أن الرؤية الأيديولوجية تقيم على مفردات القوى التي صنعت الأحداث لصالح رؤية شيفونية تقدم نفسها كبديل للمعرفة، الأمر الذي ينتفي معه سلطة هذه القوى بمفرداتها الجزئية. هذا التغييب هو استلاب للهوية ومصادرة للوجود الذي يتكون من حضور متجادل على أرض الواقع الاجتماعي.
وتعتمد السلطة التفاضلية في علاقتها بالمعرفة إلى تحقيق صورة في الأذهان تتكئ على ما هو لغة وما هو مرئي. ومع تضييق الرؤية وتغييب تعبيرات القوى الأخرى، خاصة المعبرة عن القوى الاجتماعية مسلوبة الإرادة يغدو خطاب السلطة التفاضلية مفارقا للواقع وتصبح مفرداته التداولية مكرسة لحالة من الاغتراب السياسي. ولعل أفعل التفضيل الأثير لدى كل سلطة تفاضلية، هو أبرز هذه العوامل في تلك اللغة. إن الملاحظ لما أصبح يعرف بالمعارك الانتخابية في النظم الحزبية سوف يقف على حقيقة اللغة المستخدمة في خطابات المرشحين والتي لا تخرج في معظمها عن رسم صورة لمستقبل مزعوم لا يستند إلى واقع موضوعي، بل [ص30] يتركز اهتمامه على وضع الناخبين في وهم الحلم بإمكانية تحسين أوضاعهم، ولغة هذا الوهم ــ الحلم ــ هي نفسها التي تخلق المسافة بين الواقع الذي يعيشه الناخبين والحلم الذي تصوره لهم.
وإذا ما لاحظنا وعيا من الأفراد بحقيقة اللعبة، فإنه يكون وعيا بالحالة ولكنه غير قادر على تجاوزها بطرح الحل العملي للمشكلة، وذلك يعني أن حالة من الاغتراب اللغوي الذي تمارسه السلطة الإعلامية والمندرجين في نظامها، يلعب دورا مهما في تطويل أمدها في سدة الحكم مستبعدة الجماهير بفعل آلية الاستلاب اللغوي ذاتها.
ويجب هنا أن نضع ما يتمخض عن هذه النظم من قوانين في إطار استراتيجية الاستبعاد للجماهير، تلك التي تعتمدها السلطات في شكل تشريعات قانونية تؤطر تلك العلاقة بين السلطة والجماهير المستبعدة، ليكتمل بذلك الاستلاب على هذا المستوى، ليس كطبيعة حتمية مصاحبة للإنسان ومعناه الذاتي والاجتماعي، وإنما كفعل قصدي سياسي معتمد يهدف إلى حماية مجموعة من المصالح الضيقة على قمة المجتمع والتي لا ترى في الجماهير سوىــ سوق عمالة ــ تحت الطلب. إن هذه النظرة التي تعبر عن انقسام المجتمع الإنساني هي وليدة النظام البرجوازي واقتصاد الرأسمال بقيمه التي أفرزها في تاريخه القصير، والتي لا تخدم سوى أصحاب المصالح العليا وكبار الملاك واحتكاري رأس المال.
ولعل التصوف أحد أبرز التعبيرات لرفض واقع يتسم بحمَّى العمل، الخالقة لعلاقات الاستلاب وتشيئ الإنسان وعلاقته الاجتماعية.
فربط التصوف الإنسان مباشرة بما وراء الطبيعة في محاولة مهمومة لتخطي الواقع الاجتماعي بعملية تأويل خلاقة للدلالة الكونية، ولتصويرها رمزيا. مما نمَّى حنينا لفردوس مفقود هو رحم الطبيعة الأم.
وقد تمكن التصوف النظري من إنشاء نسق له جهازه المفاهيمي الذي استثمر هذا المركب الإنساني مقدما حلال لمشكلة الاغتراب، هو نفسه انغماس في الحالة ذاتها. تلك الحالة الإنسانية المستعصية الاختفاء، وذلك بسبب طبيعتها المزدوجة حيث الطبيعة وإخضاع الطبيعة هي ذاتها رحلة الإنسانية التي تحمل في جوهرها هذا التناقض غير القابل للتبادل أو المقايضة. [ص31]
ومن هنا كانت هذه الحالة إحدى أهم البيئات المساهمة في تخليق المخيلة والتي هي بدورها إحدى أهم مميزات الذات الإنسانية.
إن الأديان قد حاولت دائما ربط الإنسان بما فوق الطبيعة كحل أسمى منتشلة إياه من جدلية اتصفت بالدائرية، فبدلا من أن يكون مربوطا بالطبيعة وحدها ــ التي عبد عناصرها في مرحلة من تاريخه ــ أو بحياته المادية التي هي ناتج سيطرته على الطبيعة فإنها قدمت له حلا لاغترابه واستلابه وتشيؤه، حاولت رسمه بمثالية مبنية على تصور للعدل بمعناه الأشمل بمعنى التعادلية والتوازن، كان وما يزال مفارقا للواقع أو لما أقترفه الإنسان بيديه.
هامش:
إن تعددية المعنى التي لازمت مقولة الاغتراب، جعل منها مقولة ضبابية لا يمكن الركون إليها كأداة حقيقية للتحليل النظري وإنتاج المعرفة العلمية. فهي مقولة تأملية لا هوتية المصدر، ولأنها كذلك فهي تتناقض مع المفهوم العلمي، الذي لا يتأمل الظواهر، إنما ينفذ إلى السببية الداخلية القائمة فيها. وعلى الرغم من استعمال "كلمة" الاغتراب في الدراسات الأدبية والفلسفية والاجتماعية، فإنها قد ظلت كلمة وصفية أو مقولة زائفة، تشير إلى ظاهر الأشياء، بدون أن تنفذ إلى حركتها الحقيقية.
ترتبط مقولة الاغتراب بمقولة الجوهر الإنساني، وهي مقولة مثالية بامتياز، لذلك فإن مناقشة الاغتراب تتضمن دائما مناقشة معنى الجوهر الإنساني. ونجد هنا أن تعريف الجوهر يختلف باختلاف النزوعات الفلسفية. فالبعض يرى الجوهر الإنساني محايثاً للإنسان من حيث هو إنسان، أو كائن نوعي، أي أنه جوهر مطلق لا يخضع في تحديده إلى التاريخ أو إلى الشروط الاجتماعية، الأمر الذي يعني أن اغتراب الجوهر الإنساني هو اغتراب سرمدي مطلق. ويرى بعض الماركسيين أن الجوهر هو محصلة للعلاقات الاجتماعية، وتغيير هذه العلاقات يؤدي إلى تغييره، أي أن الجوهر الإنساني ليس محايثاً للإنسان، بل هو خاضع للتحديدات الاجتماعية. وإذا كان الأمر كذلك، فإن اغتراب الجوهر ليس أمراً سرمدياً، إنما هو خاضع لشكل الظروف الاجتماعية. انظر: الموسوعة الفلسفية العربية، ص85.
تعليق:
حاولنا في هذه الدراسة أن نمسك بالسببية الداخلية والآلية الداخلية التي تحركها وقد رأينا أن حالة الاغتراب تنقسم إلى قسمين أساسيين الأول هو حالة إنسانية تعبر عن انفصال الإنسان عن الطبيعة بالعمل، حيث أصبحت الطبيعة بالنسبة للإنسان موضوع للفعل. وهو ما رأينا أنه يمثل جذرا متداعيا في حالة مركبة مصحوبة [ص32] بحركة تطور وتقدم الإنسان في نظمه الإنتاجية ومن ثم الاجتماعية والسياسية. مما رتب فهما جديدا للمراحل التالية على هذه الحالة والتي تم تعيينها تباعا بمصطلحي "الاستلاب" والتشيؤ.
موضحين جدلية الحركة الداخلية مما يرتب من ناحية أخرى الفرق بين الحالة الإنسانية التي تتمثل في الاغتراب –الانفصال عن الطبيعة- والظاهرة التي ترتبط هنا بالظروف الاجتماعية والتي مرت بمرحلتين هما الاستلاب والتشيؤ وهما منتميان إلى الوصف بالظاهرة لكونها نتاج أوضاع اجتماعية متغيرة.
هوامش:
1. الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الأول، معين زيادة، الصفحات من 79 -85.
2. أنظر: الاغتراب، ريتشارد شاخت، ترجمة: كامل يوسف حسين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1980 بيروت.
3. أنظر: صموائيل هنتنغتون، صراع الحضارات
.


عدل سابقا من قبل علي كامل في 8/9/2008, 5:53 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
د. فرغلى هارون
المدير العـام

avatar

ذكر عدد الرسائل : 3278
تاريخ التسجيل : 07/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: الإغتراب في أبعاده ومظاهره- مقالات منتخبة   7/9/2008, 9:20 pm

شكراً أستاذنا الكريم على كامل على هذه المبادرة الطيبة بإثارة هذا الموضوع الهام والحساس

والغريب فعلاً أنه رغم كل ما نعيشه ونحسه من اغتراب فى حياتنا وفى كل ما يحيط بنا
اغتراب نفسى وسياسى واقتصادى واجتماعى
رغم كل ذلك إلا أن الدراسات حول الاغتراب قد قلت بدلاً من أن تزيد !!

ألف شكر على طرحك للموضوع
وأنا شخصياً من المهتمين جداً بهذا الموضوع
بل إننى درست هذا الموضوع على يد الدكتور محمود رجب نفسه فى بداية التسعينيات من القرن الماضى

بارك الله فيك
ولا عدمنا تواجدك بيينا
وإثراءك لمنتدانا
وافر الشكر
وخالص محبتى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قربت أموت

بانده عليكى بأعلى صوت

دفينى بحنانك لاموت

بانده ولا بيجينى صوت

ما تردى يا امه بنظره حتى من عنيكى

د. فـرغلى هــارون
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://social.subject-line.com
علي كامل
أكاديمى



ذكر عدد الرسائل : 77
العمر : 58
التخصص : علم الاجتماع
الدولة : العراق- مقيم بليبيا
تاريخ التسجيل : 21/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: الإغتراب في أبعاده ومظاهره- مقالات منتخبة   8/9/2008, 6:05 pm


ظاهرة الإغتراب السياسي


د. سيدى محمد ولد يب، ظاهرة الاغتراب السياسي، مجلة فضاءات، طرابلس- ليبيا، العدد 28، نوفمبر 2006، ص ص45-56.
http://www.fadaat.com.ly/seemore.php?moreid=103&x=23&y=14

شهد القرن التاسع عشر اهتماما متزايدا بظاهرة الاغتراب(*) السياسي وذلك بعد ما غدت الهم الفلسفي الأساسي لدى الفلاسفة والشغل الشاغل للعديد من المثقفين والمفكرين السياسيين. ولا تنبع أهمية هذا الاهتمام وخصوصيته من تنوع المنطلقات الأيديولوجية واختلاف الأنساق الفلسفية المهتمة برصد هذه الظاهرة ودراستها، بل تنبع كذلك من أن ظاهرة الاغتراب السياسي ذاتها قد أصبحت "متفشية في كل الأنظمة وعبر كل الأشكال الدستورية"(1). فلا تكاد تخلو أية دولة من هذا "الداء السياسي" إلى حدِّ أننا قد لا نبالغ إذا ما قلنا أن الاغتراب السياسي يمكن أن يوجد حيثما وجدت الدولة. صحيح أن الدولة ضرورية لكل مجتمع وملازمة له، وأنها تقود إلى احترام القواعد التي يقوم عليها هذا المجتمع، فتحميه بذلك من عيوبه الخاصة، وتحدُّ داخله من آثار المنافسة بين الأفراد والجماعات، وبمعنى آخر فإنها ناجمة، بالنسبة إلى كل مجتمع، عن ضرورة مكافحة كل قصور يهدده بالفوضى(2) أو يحرم أفراده من حقوقهم الطبيعية المنصوص عليها في النصوص القانونية المنظمة لعمل السلطة السياسية القائمة على رعاية مصالحهم. غير أن الدولة قد تتخلى أحيانا عن بعض التزاماتها الأخلاقية والسياسية تجاه رعاياها فتنقلب عندها إلى مصدر اغتراب حقيقي بسبب تفردها بممارسة العنف المُشَرَعْ، ونظرا لقدرتها على الفعل في الأشياء والأشخاص والتأثير فيها، وبدل أن تلتزم بوظيفتها الأساسية المتمثلة في الدفاع عن المجتمع ضد نقائصه الخاصة والمحافظة عليه سليما و"تكييف الترتيبات الأساسية التي لا تتناقض مع مبادئه الأساسية"(3)، فإن أجهزتها تتحول تارة إلى مصادر حيوية لاغتراب قد يكون سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو حتى دينيا. وهذا في الواقع ما انتبه إليه الفلاسفة والمفكرون السياسيون، فتناولوه بالتحليل والنقد محاولين الكشف عن طبيعة ظاهرة الاغتراب السياسي، وعن أسبابها والسبل الكفيلة بمعالجتها. من أبرز هؤلاء الفلاسفة كارل ماركس الذي جعل من الاغتراب الاقتصادي مصدر كل أنواع الاغتراب الأخرى: الاجتماعي والسياسي، والديني والفلسفي. وبحسبه تنبع هذه الأنماط من تبعية الأفراد أو الطبقات لقوى اجتماعية قد تمثلها الدولة أو الديانات أو علاقات الملكية أو الطبقات الاجتماعية. وبما أن تاريخ الدول يثبت هكذا تبعية كان لزاما التفكير في الإلغاء الإيجابي لكل أشكال الاغتراب وذلك عبر اعتماد دراسة علمية لعمل وسائل الإنتاج. هذه الدراسة تقتضي، بالنسبة إلى ماركس، مراجعة شاملة لمختلف مراحل التاريخ البشري، وتبيان ما يترتب على تطورها من نتائج على مستوى البنيتين التحتية والفوقية لكل دولة ولكل مجتمع. من هنا اعتقد ماركس أن رصد ظاهرة الاغتراب السياسي يقتضي لا محالة الانطلاق من مجموعة من المسلمات التاريخية مفادها أن تاريخ كل مجتمع إنما هو تاريخ صراع الطبقات، وأن السبب السياسي للتطور التاريخي هو سبب اقتصادي. أما التاريخ البشري فليس، طبقا لمنطق تلك المسلمات التاريخية نفسها، إلا نتيجة لعلاقات اجتماعية فرضت نفسها على إرادة البشر، وهذه العلاقات الاجتماعية تعبر عن التناقض الموجود بين القوى (الوسائل) الاقتصادية للإنتاج، أي العمال وأدواتهم، وعلاقات الإنتاج وتعبيرها القانوني، بمعنى النظام القانوني للملكية. ومن هذا المنطلق استنتج ماركس أن العلاقات الاجتماعية تتغير طبقا لأنماط الإنتاج، وأن تمييز مراحل التاريخ البشري يقتضي مراعاة طبيعة النظم الاقتصادية، وحدد انطلاقا من ذلك أربعة أنماط للإنتاج تصور، في كتابه نقد الاقتصاد السياسي Critique de Economie Politique أنها "أحقابا متدرِّجة للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية"(4). فهناك نمط الإنتاج الآسيوي الذي يتميز بتبعية كل العمال للدولة، بمعنى تبعيتهم لطبقة بيروقراطيةClasse Bureaucratique مثل طبقة المندريينLes Mandarins في الصين. يأتي بعد ذلك نمط الإنتاج القديم، ويتميز بالعبودية، أي تبعية العبد للرجل الحر كما هو الحال في الإمبراطورية الرومانية. ثم هناك نمط الإنتاج الإقطاعي المتميِّز بالقنانةLe Servage أو تبعية القن للنبيل، مالك الأرض، وعُرِفَ هذا النمط في الغرب خلال العصر الوسيط. وهناك أخيرا نمط الإنتاج البرجوازي Mode de Production Bourgeois المُتميِّز بالأجارةSalariat، بمعنى تبعية الأجير للبرجوازي، مالك وسائل الإنتاج في الدولة الرأسمالية. ومهما كان نمط الإنتاج فإن طبقتين اجتماعيتين تتعارضان بسبب اغتراب العلاقات الاجتماعية. إلا أن البنية التحتية للمجتمع عادة ما تكون، في ظل نمط الإنتاج البرجوازي، أكثر تجسيدا لحالة من الاغتراب تطال الجميع بما في ذلك مكوِّنات البنية الفوقية ذاتها. ونتيجة لذلك اعتقد ماركس أن نمط الإنتاج البرجوازي يمثل أبرز الأنماط الاقتصادية انتهاكا لكرامة الإنسان وأكثرها تعبيرا عن حالة الاغتراب العمالي الذي تعيشه البروليتاريا في ظل الدولة الرأسمالية. ففي هذه الدولة يُختزل وجود العامل إلى "وضع مماثل لأي بضاعة أخرى"(5). ثم إن هذا التشيء للعامل ما يلبث أن يأخذ صورة إكراه وحرمان لأن "الإمكانية المتوفرة للرأسمالي كي يشغل رأسماله على نحو آخر تؤدي إما إلى حرمان العامل المشدود إلى فرع من النشاط من القوت، وإما إلى إكراهه على الخضوع إلى كل متطلبات هذا الرأسمالي [وزيادة على ذلك فإن] العامل لا يربح بالضرورة عندما يربح الرأسمالي ولكنه يخسر بالضرورة إذا خسر"(6). يتعلق الأمر هنا إذن بصورة من الاغتراب يكون فيها العامل مُستعبَدا ومسخرا لضمان استمرار سببية (Causalité ) رأس المال (نقد – سلعة – نقد + فائض القيمةArgent - Marchandises- Argent + Plus - Value ). هذا النمط من الاستغلال الاقتصادي لا ينبغي تصوره بوصفه نتيجة للقرارات الحرة للإرادة العامة بل هو نتيجة للضرورات المحايثة لشروط الحياة التي فرضها عالم الإنتاج المادي، والإنسان الذي يتحول في هذا العالم إلى مجرد وسيلة للإنتاج يُغْتَرَبْ وجوده كاملا إذ لم يعد يمتلكه منذ أصبح وسيلة لتحقيق المنفعة، وهُيِّأ لإكمال غايات نفعية ذاتية وأنانية تتجاوز مصلحته الشخصية. تصور ماركس أن هذه الحالة من الاغتراب تعزل الإنسان عن وجوده، ولا يمكن أن يكتمل في ظلها التحرر الاجتماعي إلا عندما يعترف الإنسان بقواه الخاصة كقوى اجتماعية، فينظمها بوصفها كذلك محتفظا في الآن نفسه بسلطته الاجتماعية. غير أن التحرر الاجتماعي لا يستهدف طبقة البروليتاريا وحدها بل يشمل أيضا الرأسماليين. ففي المجتمع الرأسمالي يكون البروليتاري والرأسمالي أسيران معا في قفص الاغتراب: البروليتاري، الأجير غير المالك لوسائل الإنتاج، يكون مُغتَرَباً لأن العمل بالنسبة إليه وسيلة للعيش فحسب وليس وسيلة للازدهار، والرأسمالي يُغتَرَبُ أيضا لأنه لا ينتج، وعمل المأجورين البروليتاريين ليس، بالنسبة له، سوى مصدر للأرباح. وحاصل ذلك اغترابهما معا لكون الاغتراب الاقتصادي يقود حتما إلى الاغتراب الاجتماعي: أي تنافر وصراع طبقة البروليتاريا مع طبقة الرأسماليين. وخلافا لما ذهب إليه بول ريكورPaul Ricœur من أن الاغتراب السياسي لا يمكن رده إلى أي اغتراب آخر، اعتقد ماركس أن الاغتراب الاجتماعي يؤدي بالضرورة إلى الاغتراب السياسي: فلكي تحافظ طبقة الرأسماليين على هيمنة موقفها اقتصاديا واجتماعيا ينبغي عليها أن تتحكم في الدولة، أي الإدارة والقانون الوضعي. ويضيف ماركس أن الاغتراب السياسي يقود بدوره إلى الاغترابين: الديني والفلسفي. لأن طبقة الرأسماليين الحاكمة تشرع سلطتها باستخدام الله أو الطبيعة، ومن خلال تأسيس قوانينها الوضعية على الحق الطبيعي أو الحق الإلهي. ذلك ما رفضه ماركس معتقدا أن الدين يمثل نمطا أساسيا من أنماط الاغتراب. يوضح ماركس ذلك في كتابه نقد القانون السياسي الهيغلي Critique Du Droit Politique Hégélien فيقول: "لا شك أن الدين هو الوعي الذاتي والإحساس الذاتي الذي يمتلكه إنسان لم يجد ذاته بعد. غير أن الإنسان ليس مجرد كائن جاثم في جهة ما خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان، الدولة، المجتمع.
هذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين بما هو الوعي المعكوس للعالم. إن الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، حاصله الموسوعي، منطقه وقد أخذ شكلا شعبيا... إنه التحقق الوهمي للكائن البشري، لأن الكائن البشري لا يمتلك واقعا حقيقيا. إن الدين هو تنهد الكائن المسحوق... إنه أفيون الشعوب: L,oppium du Peuple. إن إلغاء الدين بوصفه سعادة وهمية للشعب هو المقتضى الذي تتطلبه سعادته الفعلية"(7). لقد وضع فيورباخ Feurbach نقد الدين في مركز الهم الفلسفي إلا أن نص ماركس الأخير يضيف ملاحظات أخرى أكثر أساسية. صحيح أن ماركس تأثر، في هذا المنحى بفيورباخ، وهو مدين له بذلك، إلا أنه خرج من أفق تفكيره عندما تصور أن نقد الاغتراب الديني يمتلك معنى ثانويا بالنظر إلى الاغتراب الاقتصادي، ذلك أن الاغتراب الديني لا يحدث، وهنا يخالف ماركس فيورباخ، إلا في مجال الوعي، في صميم باطنية الإنسان، أما الاغتراب الاقتصادي فهو على العكس من ذلك اغتراب للحياة الفعلية. هذا التمييز بين النوعين من الاغتراب أساسي. فقبل كل شيء الاغتراب الديني، وبشكل عام الاغتراب الروحي، يعتبر بالنسبة إلى ماركس نتيجة للاغتراب الاقتصادي، وإلغاء هذا الأخير يؤدي حتما إلى اختفاء ذلك. تنتهي تحليلات ماركس إلى أن الاغتراب الديني هو شكل من أشكال التسلط الذي يمارسه ويبرره الفكر الديني إلا أن التحرر منه يندرج ضمن مشروع شامل لتخليص الإنسان من كل أشكال الاغتراب، ولا يمكن لهذا الخلاص أن يتحقق إلا بعد القضاء التام على مساوئ النظام الاقتصادي والسياسي البرجوازي. فهذا النظام تتجسد فيه كل أشكال الاغتراب نظرا لإحكام الطبقة الرأسمالية الحاكمة سيطرتها على طبقة المحكومين، ومن حيث هو كذلك فإنه يمثل: "دولة أقوى الطبقات، أي دولة الطبقة المهيمنة اقتصاديا، وهي الطبقة التي تغدو – بفضل الدولة – طبقة مسيطرة سياسيا أيضا فتتوفر لها وسائل جديدة تمكنها من قهرالطبقة المضطهدة"(Cool.غير أن هذه الحالة من قمع الإنسان بواسطة الإنسان ليست أبدية إذ لا بد أن يصبح المجتمع يوما ما خال من الطبقات. هذا التحول تحكمه عوامل مرتبطة بقوى الإنتاج من جهة، وبالتطور المنطقي للنظام الرأسمالي ذاته من جهة أخرى. فعلى المستوى الأول يبيِّن ماركس أن "قوى الإنتاج المادية للمجتمع، حين تبلغ مرحلة من مراحل تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الإنتاج القائمة أو مع علاقات الملكية التي كانت تتحرك ضمنها إلى ذلك الوقت، والتي لا تعدو أن تكون التعبير القانوني عن علاقات الإنتاج. وإذا بهذه العلاقات التي كانت أشكالا لتطور قوى الإنتاج تصبح عوائق لها. فيكون ذلك بداية لعصر ثورة اجتماعية. إن التغيير الطارئ على القاعدة الاقتصادية يهز عاجلا أو آجل البنية الفوقية الكبرى كلها"(9). إن اهتزازا كهذا يؤدي لا محالة إلى تقويض نمط الإنتاج البرجوازي وما يستند إليه من مرتكزات سياسية وأيديولوجية. ويبيِّن ماركس من جهة أخرى أن التطور المنطقي للنظام الرأسمالي يؤدي إلى تركيز رأس المال وإفقار الأجراء مما يمهد لتمرد البروليتاريا على الطبقة البرجوازية المسيطرة اقتصاديا ومن ثم سياسيا. فلكي تنمي البرجوازية قوى إنتاجها، الخاضع للتنافس الدولي، تقوم بتركيز المؤسسات. ومن نتائج هذا التركيز ثبات رواتب العمال في أدنى مستوياتها، ودخول الدرجات السفلى من الطبقات الوسطى، مثل التجار الصغار والمصنعون الصغار، في دائرة البروليتاريا أي في دائرة الطبقة الأكثر فقرا في المجتمع البرجوازي. هذه الطبقة الأخيرة (الطبقة البروليتارية) ستعي ضرورة الدفاع عن مصالحها كطبقة مُستغلة من طرف أقلية من الرأسماليين. وسيكون لوعيها بضرورة تغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية نتائج ملموسة على مستوى البنيتين التحتية والفوقية: فبعد استلام البروليتاريا للسلطة السياسية تقوم باستخدام الإدارة والقانون الوضعي لتأميم أدوات الإنتاج وزيادة كمية القوى المنتجة. كما تستخدم هيمنتها لهدم النمط البرجوازي للإنتاج، وذلك من خلال إحلال الملكية الجماعية محل الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. تصور ماركس أيضا أن التحول الحاصل في مجالات الاقتصاد والمجتمع بسبب قيام ثورة البروليتاريا تترتب عليه نتائج مهمة على مستوى البنية الفوقية: إن هدم النمط البرجوازي للإنتاج يعني في نفس الوقت هدم الاغتراب الاقتصادي، وهدم الاغتراب الاقتصادي يقود تلقائيا إلى هدم كل أنماط الاغتراب. وما أن تهدم كل أنماط الاغتراب حتى تختفي الطبقات الاجتماعية مما ينتج عنه اختفاء الدولة ذاتها، لأن الدولة هي جهاز قمعي بيد طبقة تستخدم القانون لاستغلال وقمع الطبقات الأخرى، إنها "أداة لسيطرة طبقة على أخرى، لسيطرة البرجوازية على البروليتاريا. وعلى البروليتاريا أن تستخدم بدورها هذه الأداة إذا أرادت أن تزيل اغترابها"(10). بحسب ماركس تمثل هذه اللحظة، لحظة استلام البروليتاريا للسلطة السياسية، إلغاء لمظاهر القمع الاقتصادي والاجتماعي التي كانت تخفيها البرجوازية تحت شعارات الديمقراطية والحرية والتنافس الحر. إنها لحظة إقصاء لاستغلال الإنسان بواسطة الإنسان. لن يبقى الإنسان مُستغل في مقابل قوته اليومي بل يعيش في كنف تجمع حر متفرغا كليا لترقية فكره وحساسيته. ويؤكد ماركس أن هذا التجمع الحر لا يتسم بالفوضوية، بل توجد سلطة بيد شيوعيين عازمين على تحريك حركة التاريخ نحو بناء "إنسان جديد"(11)، الإنسان الشيوعي، وفي النهاية الإنسان الحر. وبما أن هذا التجمع الحر يضمن الازدهار الاقتصادي والانسجام الاجتماعي بين الأفراد فإنه يسمح أيضا بالتحقق الكامل لإنسان أصبح محصنا، بعد قيام ثورة البروليتاريا، ضد كل أنواع الاغتراب. ولئن كان هيغل يتفق مع ماركس في أن اغتراب الشعوب أو الطبقات يُعَد مرحلة ضرورية في عملية التطابق التدريجي بين الواقع والمطلق، فإنه لا يتبنى مع ذلك كل السلبيات التي ألحقها ماركس بفكرة الدولة كما هي قائمة في المجتمعات ذات النظم الاقتصادية البرجوازية، بل يمكن القول أن منظوره يتعارض كليا مع منظور ماركس المتعلق بطبيعة الدولة ودورها. فبينما ميز هيغل بين المجتمع المدني Société Civile والدولة نجد أن ماركس قد دمج بينهما كاشفا "داخل المجتمع المدني عن تناقض الطبقات الاجتماعية التي تحل محل تناقضات الأمم المسيطرة على ديالكتيكية التاريخ الهيغلية"(12). ثم إن الدولة ليست مصدر اغتراب سياسي لأفراد المجتمع، كما تصور ذلك ماركس، بل هي من وجهة نظر هيغل إمكانية العيش المشترك الأكيدة، أو هي الواقع الجوهري والكلي الذي يتعذر على الأفراد أن يحيوا بدونه حياة كلية ذات معنى وقيمة. وبما أنها "حقيقة الفكرة الأخلاقية" و "صورة العقل وحقيقته" فإنها أسمى من الفرد، إنها "إلها مجسما" "أما الفرد في حد ذاته فليس له من الموضوعية و لا من الحقيقة ولا من الأخلاق الاجتماعية إلا بمقدار ما هو عضو في الدولة"(13). إن هذه الدولة التي يتحدث عنها هيغل لم يكن لتختلف كثيرا عن شكل الدولة الحديثة لو لا أن هذه الأخيرة لم تطوِّر أساليب جديدة للاغتراب. وربما كان هذا هو السبب في رفض العديد من فلاسفة الحداثة لفكرة الدولة الحديثة، فبادر نتشه إلى نقدها معتبرا أنها موت الشعوب، ودعا من بعده بعض الفلاسفة المعاصرين إلى إعادة ترتيب أوضاع المجتمعات الغربية بعد الكوارث الاجتماعية والاقتصادية التي حصلت في الغرب على أثر قيام دول دكتاتورية، فاشستية ونازية، في القارة الأوروبية وفي آسيا وما يسمى بالاتحاد السوفياتي سابقا. هذه الدكتاتوريات على اختلاف أيديولوجياتها، تصدى لها فلاسفة محدثون ومعاصرون مثل وولتر بنيامين Walter Benjamin ومارتن هيدغر Martin Heidegger وثيودور آدرنو Theodor Adorno وهربرت ماركيز Herbert Marcuse وجورج لوكاتش Géorges Lukcs، كما نددوا في نفس الوقت بالحضارة الغربية الحديثة، فوصفها نتشة بأنها "حضارة مريضة"، وتصور البعض الآخر أنها تعيش، في مرحلتها المعاصرة، أزمة في جميع مجالات أنشطتها بدءا بالعلم والثقافة والسياسة وانتهاء بالأخلاق والدين. لذلك أَمِلُوا كلهم في حدوث قلب لبنى المجتمع الرأسمالي يكون قادر على أن يضع حدا لاغتراب أشكال الحياة المعاصرة. وبينما تصور هيدغر الثاني، أي هيدغر بعد مرحلة المنعطفLe Tournant، أن تخليص التقنية من شوائبها الميتافيزيقية والعودة إلى مرحلة ما قبل بداية الميتافيزيقا، عبر إعادة طرح سؤال الوجود الذي تم نسيانه، كفيلان بتخليص الإنسان المعاصر من حالة الاغتراب التي يعيشها في عصر التقنية، ذهب جورج لوكاتش إلى أن الفن يُعَد إمكانية، من بين إمكانيات أخرى: فلسفة التاريخ الماركسية، مُساعِدة على التخفيف من حدَّة الشعور بالاغتراب في حياة أصبحت أقل أساسية وأكثرا ألماً: "إن الحياة الحالية مُغْتَرِبَةْ، خالية من نموذج مثالي وغير أصيلة. ولم يعد من الممكن إعطائها شكلا سواء في الواقع أو في التجربة المعيشة أو في الأدب، وبشكل عام في الفن. [ومن هنا تساءل عما إذا كان الفنان مدعو إلا أن] يتصور ويضع في شكل المعطيات الخام للحياة الامبيريقية لكي يقترح حياة، وهمية بلا شك، ولكنها أكثر أساسية من الحياة [يتبع
]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
علي كامل
أكاديمى



ذكر عدد الرسائل : 77
العمر : 58
التخصص : علم الاجتماع
الدولة : العراق- مقيم بليبيا
تاريخ التسجيل : 21/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: الإغتراب في أبعاده ومظاهره- مقالات منتخبة   8/9/2008, 6:10 pm

[تابع]

الفعلية"(14). غير أن آمال هؤلاء الفلاسفة لم تجد طريقها إلى التحقق رغم هامش الحرية والاستقلال الذي أصبح يتمتع به الإنسان منذ أن تحرر من وصاية الآلهة وجعل من نفسه مالكا وسيدا للطبيعة كما قال ديكارت R. Descartes. فهذا الإنسان غدا ضحية لعلومه ومعارفه، ثم إنه وجد نفسه محميا وموجها بعنف ذي طابع شرعي، هو عنف الدولة. لقد بينت بعض الدراسات المعاصرة المهتمة بتاريخ العلم والتقنية أن شمولية الدولة وكليانية التقنية La Technique هما من أبرز أسباب اغتراب الإنسان في الفترة المعاصرة. فمنذ نهاية العصر الوسيط بدأ الإنسان يعترف باستقلال مختلف دوائر نشاطه الإبداعي. ومع انبثاق بداية العصر الحديث بدأت كل دوائر الثقافة والحياة الاجتماعية بالتأكيد على خصوصياتها، وعلى ضرورة تطورها طبقا لقوانينها الخاصة، وبعيدا عن أية مرجعية روحية. ومن هذا المنطلق تمكنت القوى الخلاقة للإنسان، التي كانت محاصرة في العصر الوسيط، من الازدهار. فلم تعد السياسة أو الاقتصاد أو العلم أو التقنية تتحدد استنادا إلى أي قانون أخلاقي أو أي مبدأ روحي يكون متعاليا ومختلفا مع دائرة عمل هذه العلوم الخاصة. ويمكن القول أن الميكيافيليه في مجال السياسة والرأسمالية في مجال الاقتصاد، والعلموية في مجال العلم، والنزعة الوطنية في حياة الشعوب، تمثل كلها نتائج لاستقلال تلك العلوم. ورغم ما يتضمنه هذا الاستقلال من مزايا إيجابية فإن مصير الإنسان يحتوى، في هذه المرحلة المعاصرة من تاريخ البشرية، على تناقض أساسي أدى إلى اغترابه: لأن استقلال مختلف دوائر نشاطه لم يعبِّر عن استقلال الإنسان ذاته ككائن متكامل الأبعاد. ونتيجة لذلك أصبح هذا الإنسان شيئا فشيئا عبدا للدوائر المستقلة الغير خاضعة للفكر البشري. ولئن تحددت، في هذه الفترة المعاصرة، دوائر الاقتصاد والتقنية والحرب بوصفها ظواهر كليانية، فإن الادعاءات الشمولية الأكثر أهمية هي ادعاءات التقنية التي صُنفت، منذ نتشه وهيدغر وحتى رواد مدرسة فرنكفورت، بوصفها شكلا من أشكال العدمية والاغتراب. فهي لا تعترف أولا بأي مبدأ يتعالى على قوانينها، ثم إنها متحالفة مع الدولة التي أصبح دورها شموليا أيضا. إن التطور الرائع للتقنية، بما هي دائرة مستقلة، قاد إلى الظاهرة الأساسية المميِّزة لعصرنا: ألا وهي الانتقال من الحياة العضوية إلى الحياة المنظمة(15)، حياة ترتبط فيها قيمة الإنسان بمدى فائدته وبمدى قدرته على التحول إلى "مشارك حقيقي في المؤسسة الاجتماعية"(16). إننا إذن أمام حالة من الاغتراب والتيه سببها التقنية، وهذه الحالة مشابهة، حسب Nicolas Berdiaeff، لما قد يسببه عنف "الدولة الحديثة" من اغتراب سياسي لأفراد المجتمع. فعادة ما تتصور الرعية بأن الدولة تتصف بأسمى درجات العدل والديمقراطية والحرية، وأن خيرها وشرها يصبان في مصلحة الجميع، ويحميان ويوجهان رعاياها نحو المصلحة العامة، غير أن ثقة الرعية، في هذه الدولة المثالية، قد تتزعزع أحيانا حالما تعجز عن ممارسة القوة، أو العنف المشرع، في حدود ضرورات تطبيق القانون، فيتحول عندها العنف إلى إسراف (Abus ) في حين أن القوة التي "تظل في انسجام مع وظيفتها هي شرط التوازن والنظام والسلام"(17) على حدِّ تعبير أرسطو. لقد قال تروتسكيTrotsky ذات يوم أن "جميع الدول قائمة على العنف"(18)، وهذا رأي صائب إذ لو لم توجد سوى هياكل اجتماعية لا أثر فيها لأي نوع من أنواع العنف لزال مفهوم الدولة عندئذ ولن يبقى إلا ما يسمى "بالفوضى"(19)، غير أن ثمة اختلاف هاهنا بين عنف صادر عن دولة ديمقراطية، وعنف صادر عن دولة كليانيةEtat Totalitaire. فما تمارسه الدولة الديمقراطية من عنف استثنائي، ضد بعض رعاياها، منظم بالقانون ويصب في المصلحة العامة للمجتمع، أي أن عنفها إنما يهدف إلى تمكينها من القيام على أحسن وجه بوظائفها على اختلافها، مثل وظيفة التسيير الإداري والوظيفة التربوية والوظيفة الاقتصادية والوظيفة الأمنية، إضافة إلى ما تتمتع به من سلطات كسلطة التنفيذ وسلطة البت إلى غير ذلك من امتيازات، لذلك عندما يقال في مثل هذا النوع من الدول بأن "الدولة سلطة" أو أنها "سلطة إرغام" فلا تناقض بين القولين لأنها تبقى في النهاية سلطة معنوية لتحديد الواجبات وإحقاق الحقوق. أما العنف الذي تمارسه الدولة الكليانية فلا يهدف إلى إقامة "حالة من اللاعنف" حسب تعبير أريك فايلEric Veil، كما أنه ليس ذا طابع جزائيٍّ أو تأديبي في الكثير من الأحيان، بل هو علامة على يأسها، وقد تحوَّل عندها إلى "مؤسسة ووسيلة للحكم"(20) مثلما قال ج.غاسدورف G.Gusdorf. صحيح أن عنف الدولة يسمى أحيانا "بالعنف المُشَرَعْ" لأنه يجد أحيانا ما يبرره، غير أن عنف الدولة الكليانية نابع من تصميمها على الاستئثار بقوة الردع المادي بغية امتصاص ردود فعل المقاومة داخل المجتمع. إن دكتاتورية الدولة الكليانية مشابهة تماما لتلك التي يصفها المفكر السياسي جوليان فروند Julien Freund، فهي أولا عبارة عن نظام عنف يتصدى "بوسائل مصطنعة للّعبة الطبيعية للقوى والمقاومات التي توجد عادة في كل مجتمع [ثم إنها] تعوق قيام العلاقة الضرورية للقوى [والتي] بدونها تغدو كل وحدة سياسية فريسة الخوف والرُّعب. [وأخيرا فإنها] دكتاتورية لا تعترف إلا بقوة واحدة تستبعد كل قوى أخرى"(21). عندما تتصرف الدولة على هذا النحو تحيد عن غايتها الأصلية وتُضيع حق رعاياها "في إعمال العقل وإبداء الرأي"(22) كما يقول سبينوزا Spinoza. ولعلها تكون بذلك أيضا رمزا للاستبداد ومن ثم مؤسسة فعالة لاغتراب الإنسان سياسيا إن لم نقل اقتصاديا ودينيا واجتماعيا. ولما كانت الدولة "لا يمكن أن تفنى"(23) إذ بدونها تنتفي إمكانية تنظيم الحياة الاجتماعية، كان من اللازم أن "تُوكَلَ مراقبتها إلى تقنية مؤسساتية خاصة"(24) قائمة على ضمانات** دستورية تَحُدُ من تجاوزاتها وتضمن استمرار العمل الفعال والمعقلن لمختلف عناصر مؤسساتها***. عندها فقط يمكن إدراك كيف أن منزلة الدولة في حياة الإنسان اليومية من الأهمية "بحيث يعسر أن [يزيحها] دون أن يهدد شروط إمكان حياته"(25) ذاتها. يبقى أن دولة بهذه الأهمية لا يمكن أن تكون إلا ديمقراطية لأن "الكرامة البشرية لن تجد مكانتها إلا في الديمقراطية وقد أصبحت فعليا ممكنة، وهذه الديمقراطية ذاتها هي الإقامة البشرية الأولى. [و] ما يتحكم هنا، بدون زيادة، هو الإنساني عموما بما هو بالضبط الموضوع المستقبلي القائم في النزعة الاجتماعية"(26).



هوامش

* الاغتراب يعني بشكل عام الحرمان من حق أو من ميزة معينة. لم يعد الاغتراب الذهني يكتسب معنى سيكولوجيا بل أصبحت له دلالة اجتماعية. وهذه الدلالة تدل على الحرمان من المعنى الاجتماعي، واستحالة العيش عيشة طبيعية. والحياة غير الطبيعية يمكن أن تكون هنا حياة العبقري أو ببساطة حياة الغريب الذي يقدم إلى مجتمع غير مجتمعه. وعبارة مُغْتَرَبْ، في معناها السريري الدال على الجنون، لا تثير شيئا آخر سوى طابعها الغريب على ما هو طبيعي، وعلى العادات الاجتماعية الخاصة بنا. أما الاغتراب العمالي، الذي ألحت علية الماركسية، فيعني ببساطة عدم امتلاك الإنسان (العامل) لنتاج عمله: فيكون العامل مغتربا لأنه يعامل كشيء وكأداة للعمل، لذلك لا يهتم شخصيا بعمل لا يستفيد من نتاجه وربحه. أنظر: Didier Julia. Larousse, Dictionnaire de la Philosophie.1991.

1 Paul Ricœur , Histoire et Vérité.Paris. Edition du Seuil.1964. P. 273.

2. G. Balandier , Anthropologie Politique. Paris. P. U. F. 1967. P. 43.

3. IBID , P. 43.

4. Karl Marx , Critique de Economie Politique. Paris. Edition Sociales. 1957.P.5.

5. Karl Marx Critique de économie Politique. Manuscrit 1844.Edition Gallimard. 10.8 Union Générale d, édition 1972.P.88.

6. IBID.P.89.

7 أنظر حول ذلك المصدر الآتي : Karl Marx , Critique du droit Politique Hégélien.

8. Engels , origine de la Famille , de la propriété Privée et de Etat. Editions sociales. P.155.

9. Karl Marx , Critique de économie Politique. Paris. Editions sociales.1957.P.4. 10. رينيه سرُّو : هيغل والهيغلية. ت. الدكتور أدونيس العكره. دار الطليعة بيروت. ط.أولى. 1993. ص.71.

11. أنظر المرجع الآتي : Grigore Dumitrescu , Le Holocauste des âmes , Munich 1978, Paris. Librairie Romaine , 1997.

12. رينيه سرُّ : هيغل والهيغلية. مرجع سبق ذكره. ص.71.

13. أنظر حول ذلك : Hegel , Principe de la Philosophie de Droit. Remarque du Paragraphe 258.

14. Marc Jimenez , qu , est - ce que Esthétique ?. Edition Gallimard. 1997.P.377. 15. أنظر حول ذلك المرجع الآتي : Nicolas Berdiaeff , Royaume de Esprit et Royaume de César.1949.

16. Sieyès , Ecrits Politiques. Edition Zoppéri. R. 1994.P.199. 17. Julien Freund , essence du Politique.Paris. Edition . Sirey.1965.. p.720. 18. Max weber , Le Savant et Le Politique. Paris Edition Plon. 1940.1879.P.111. 19. IBID.P.111

20. أنظر الصفحات 79 – 82 من: G.Gusdorf , La Vertu de La Force. Edition. P.U.F

21. Julien Freund. L’essence du Politique,op,cité.P.720.

22. Spinoza , Traité Théologico - Politique.Paris. Edition Flammarion.. 1966. P. 330.

23. Paul Ricœur. Histoire et Vérité. Op.cité.P.278.

24. IBID.P.278.

** تتمثل هذه الضمانات في إقامة نقابات مستقلة / إجراء انتخابات حرة ونزيهة ودورية / ضمان حرية الإعلام واستقلال القضاء.

*** نقصد هنا بالمؤسسات : البرلمان / النظام الانتخابي وغيرها من الآليات الدستورية مثل فصل السلطتين التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية. ولعل ضمان حسن سير هذه المؤسسات كفيل بالحد من تجاوزات الدولة وبالتالي القضاء على ظاهرة الاغتراب السياسي داخل المجتمع.

25. G.Burdeau. Etat.Paris. Edition du seuil. 1970.P.13.

26. Ernst Bloch , Le Principe Espérance , Tome III , Edition Gallimard. P.540.

المصادر والمراجع باللغتين العربية والفرنسية:

1. رينيه سرُّو : هيغل والهيغلية.ترجمة الدكتور أدونيس العكره. دار الطليعة بيروت. ط.أولى. 1993.

2. Didier Julia.Dictionnaire de Philosophie. Ed.Larousse. Bordas. 1991.

3. Ernst Bloch , Le Principe Espérance , Tome III , Edition Gallimard. 4. Engels , origine de la Famille , de la propriété Privée et de Etat. Editions sociales.

5. G.Burdeau. Etat.Paris. Edition du seuil. 1970.

6. G. Balandier , Anthropologie Politique. Paris. P. U. F. 1967.

7. Grigore Dumitrescu , Le Holocauste des âmes , Munich 1978, Paris. Librairie Romaine , 1997.

8. G.Gusdorf , La Vertu de La Force. Edition. P.U.F.

9. Julien Freund , essence du Politique.Paris. Edition . Sirey.1965.

10. Hegel , Principe de la Philosophie de Droit. Remarque du Paragraphe 258.

11. Marc Jimenez , qu , est - ce que Esthétique ?. Edition Gallimard. 1997.

12. Max weber , Le Savant et Le Politique. Paris Edition Plon. 1940.1879.

13. Nicolas Berdiaeff , Royaume de Esprit et Royaume de César.1949.

14. Paul Ricœur , Histoire et Vérité.Paris. Edition du Seuil.1964.

15. Karl Marx , Critique du droit Politique Hégé
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الإغتراب في أبعاده ومظاهره- مقالات منتخبة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى :: 
منتدى الخدمات العامة لجميع الباحثين
 :: 
قضــــايا ومنــاقـشــــات فى كل المجالات
-
انتقل الى: