إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى

منتدى دار إنسـانيات للبحوث والنشر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  ميشيل فوكو دفاعا عن المجتمع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
eljilali
عضو نشيط



ذكر عدد الرسائل : 89
العمر : 29
التخصص : sociologie
الدولة : maroc
تاريخ التسجيل : 26/02/2010

مُساهمةموضوع: ميشيل فوكو دفاعا عن المجتمع    6/1/2011, 8:10 pm

تقديم
قدم ميشيل فوكو Michel foucaut(1926-1984) سلسلة من المحاضرات القيمة في " الكوليج دو فرانس" ساهم من خلالها في اغناء النقاش بصدد مجموعة من القضايا المهمة والإشكاليات الملحة التي أصبحت تطرح في فضاء التحليل والنقاش الفلسفي على المستوى الأوروبي والعالمي استجابة للظروف التي يمر منها المجتمع المعاصر الذي أصبح يتخبط في العديد من المشاكل فرضت ضرورة الكشف عن الخلل الذي يعيشه انطلاقا من القيام بعملية تشخيص للحاضر وللواقع ؛ وهي نفس المهمة التي تضطلع بها الفلسفة حسب M foucaut؛ إذ أن الفلسفة الراهنة أصبحت تهتم بتشخيص الحاضر والاهتمام بالجانب اللامفكر فيه؛( كالبحث عن اللاعقلاني في الحضارة الغربية )؛ وفي هذا الإطار يقول ميشيل فوكو:" إنها(أي الفلسفة) عملية تشخيص على غرار الفحص الطبي ؛فهي محاولة لتشخيص الحاضر؛ أي أنها تسعى لأن تعين ما هو الحاضر؟ وبماذا يختلف حاضرنا اختلافا مطلقا عن ماضينا ؟ عملية التشخيص هاته عمل ميشيل فوكو على بلورتها من خلال سلسلة من المحاضرات التي ألقاها في" الكوليج دي فرانس" .
وعلى هذا الأساس سنحاول في هذا العرض استقراء أهم ما ورد في الدرس الذي ألقاه ميشيل فوكو في المؤسسة السابقة الذكر بتاريخ كانون الثانيjanvier 1976؛ وذلك من أجل كشف النقاب عن جزء هام من المواضيع التي تصدى إليها المشروع الفوكوي بالدراسة والتحليل لإبراز مدى أهمية وراهنية مقاربة ميشيل فوكو في دراسة الأنساق والنظم الاجتماعية المعاصرة .
على أساس أننا لن نلتزم بتكرار جميع المواضيع والمحاور التي تطرق لها ميشيل فوكو في هذه المحاضرة بل سنقتصر فقط على الجزء المهم منها الذي يتوافق مع أهداف تخصصنا؛ إذ تبقى هذه العملية مجرد محاولة أولية لمحاورة نصوص ميشيل فوكو؛ الأمر الذي يجعلها مغامرة محفوفة بمخاطر الانزلاق في تأويلات ذاتية يمكن أن تشوه المعنى الحقيقي لمقولات فوكو.

1-ما هو الدرس ؟
افتتح ميشيل فوكو هذه المحاضرة بالحديث عن التداخل المفاهيمي الذي يقع للرأي العام في سياق تحليله لمفهوم المؤسسة ؛ خصوصا مؤسسة "الكوليج دي فرانس" التي يؤكد فوكو بأنها ليست مؤسسة تربوية أو تعليمية وان كانت غاية تأسيسها كانت كذلك فإنها تحولت إلى هيئة علمية تضطلع بمهمة البحث وتحصل مقابل ذلك على أجر مادي؛ إذ أن الظروف العامة والسياقات التي تؤثث طريقة عمل"الكوليج دي فرانس" تستبعد أن نطلق عليه اسم المؤسسة بالمعنى الحديث لها؛ فهو لا يخضع لقوانين معينة تلزم تقديم تقارير عن الموضوعات المنجزة، أو توجه المستفيدين من الدروس نحو القيام بأعمال روتينية، بل شعاره هو الحرية في الفكر والحرية في العمل والحضور.
بعد هذا التوضيح انتقل ميشيل فوكو للحديث عن الملابسات التي جعلته يعتزم على تغيير توقيت الدروس التي يلقيها من حصة المساء إلى حصة الصباح من أجل تقليص عدد الحاضرين؛ حتى تتسنى إمكانية التواصل معهم وإقناعهم بالأفكار والأطروحات المتداولة، ومن ثم التحكم في مجرى المحاضرة.
2-المعارف الخاضعة:
يقصد ميشيل فوكو بالمعارف الخاضعة ما يجب فهمه بشكل مغاير أو مناقض على اعتبار أن تلك المعارف لم تصل بعد إلى مستوى المعارف المفهومة؛ فهي غير كافية، وغير مشكلة مما يجعلها تحتل مرتبة دنيا في السلم التراتبي للمعرفة بالمقارنة مع المعارف المكتسبة أو المحقة التي تخضع لمنهجية وقواعد دقيقة؛ إذ أن المعارف الخاضعة التي يطلق عليها ميشيل فوكو اسم:" المعارف المحلية حول الناس"؛ هذه المعارف الغير المؤهلة هي التي أدت إلى حدوث النقد الذي جسدته كتابات هذا الأخير حول" تاريخ الجنون؛ ومولد العيادة؛ الكلمات والأشياء؛المراقبة والعقاب...".




3-المعرفة التاريخية بالصراعات والجينيالوجيات والخطاب العلمي
تولد عن الجمع بين المعارف المتروكة في الهامش والتي هي معارف الناس؛ والمعارف العميقة والدقيقة؛ تشكل ما يسميه ميشيل فوكو بالجينيالوجيا، التي عملت على إنتاج أبحاث جينيالوجية متعددة هي فرصة للقيام باكتشاف دقيق للصراعات والذكريات الخاصة بالمعارك التي تخوضها المعارف في سبيل تطورها؛ إذ أن الجينيالوجيا بالمعنى الفوكوي ماهي إلا نوع من المزاوجة بين المعارف العميقة والذكريات المحلية؛ مزاوجة تسمح بتأسيس معرفة تاريخية بالصراعات مع توظيفها أو استعمالها في التكتيكات الحالية؛ وهذا هو التحديد المؤقت للجنيالوجيات التي حاول ميشيل فوكو أن يقوم بها منذ عدة سنوات.
يكسر النشاط الجينيالوجي إذن كل الحدود؛ ويقوم بانتفاضة معرفية لا تكون الجهة المستهدفة فيها المعرفة بحد ذاتها أو المفاهيم المرتبطة بها؛ بل يكون هدفها هو نقد طريقة عمل الخطاب العلمي الذي يتحول إلى إرادة ممركزة للسلطة تحصر دائرة اشتغال المعرفة في جانب محدد في إطار ما يعرف بالمأسسة institutionnalisation التي تعرفها المؤسسات الرسمية كالجامعات والمدارس التي تدعي احتكار خطاب علمي رسمي له صلاحية التعبير ويحتكر كل مجالات المجتمع؛ مثل التأثير في العلاقات النظرية والتجارية مثلما هو الحال بالنسبة للتحليل النفسي؛ أو فرض إيديولوجية معينة على المجال السياسي، كما هو الشأن مثلا بالنسبة للماركسية؛ من هنا يدعو ميشيل فوكو إلى جعل المهمة الأساسية للجينيالوجيا هي فرض معركة حاسمة ضد أثار السلطة الخاصة بالخطابات التي ينظر إليها على أنها علمية.
ولإبراز كيفية اشتغال الخطاب الجينيالوجي على الخطابات العلمية، يقترح فوكو مجموعة من الأمثلة الحية من صميم الحضارة الغربية التي شهدت مرحلة نقاش واسع اتجه صوب محاولة بلورة إجابات شافية على العديد من الأسئلة من قبيل : هل يمكن اعتبار التحليل النفسي علما أم لا؟ هل النظرية الماركسية علم أم لا؟...هذه الطريقة في طرح الأسئلة تثير-حسب فوكو- حفيظة الجينيالوجيون اللذين يجيبون بالقول :" إن ما نعترض عليه بالتحديد هو اعتباركم الماركسية أو التحليل النفسي علما، فإذا كان لدينا اعتراض معين على الماركسية فهو أنها يمكن أن تكون علما حقيقيا"؛ هنا يعكس ميشيل فوكو طريقة التساؤل ويعتقد أنه بدل أن نتحدث عن المقاييس والمعايير التي يمكن أن تجعل من معرفة أو خطاب معين مماثلا للخطاب العلمي يجب البحث عن الرغبة التي يحملها سؤال المماثلة مع العلوم الدقيقة؟ وعليه فإن الأسئلة الواجب طرحها على العلماء-حسب فوكو-هي : ما أنواع أو أنماط المعارف التي تريدون إقصاءها وتقرون بعدم أهليتها عندما تصفون الخطاب العلمي؟ ما هي الذات المتحدثة أو المتكلمة؟ ما هو الموضوع الذي تريدون تحجيبه أو تقزيمه عندما تقولون: أنا الذي أمتلك خطابا علميا إذن أنا عالم؟ ما نوع الطليعة النظرية السياسية التي تريدون تقليدها من أجل أن تنفصلوا عن الأشكال المهجورة والمنحطة من المعارف؟.
4- السلطة ورهان الجينيالوجيات
سجل ميشيل فوكو-في محاولة للإجابة على الأسئلة السابقة- على أن البحث عن علمية الخطابات، ليست إستراتيجية مغلقة ترتبط بالخطاب فقط بل هي مغامرة سلطوية بالأساس تحاول أن تربط الخطاب العلمي بآثار السلطة ؛ وبالتالي تكون مهمة الجينيالوجيا هي محاولة رفع الحصار والهيمنة والحصار على المعارف التاريخية، وبالتالي تحريرها أو جعلها حرة حتى تستطيع أن تبلور مشروع نضالي يتجه ضد القهر والحجز الذي تمارسه الخطابات النظرية الأحادية؛ وهو نفس المشروع الذي يدافع عنه جيل دولوز في كتاباته؛ حيث يعمل على إعادة تحيين المعارف الخاضعة والقاصرة وجعلها قادرة غلى مجابهة الخطابات العلمية الرسمية بما تحمله من أثار للهيمنة وللسلطة.
يقدم ميشيل فوكو إذن دليله المنهجي في إنتاج النصوص والخطابات العلمية والمعرفية من خلال اعتماد المنهج الأركيولوجي إلى جانب الجينيالوجيا؛ عبر تطبيق تكتيك يقوم انطلاقا من الخطابات المحلية كما هي محللة أو موصوفة بتحريك المعارف الغير الخاضعة، وإبرازها وتعيينها؛ وبهذا يتم تأسيس المشروع في شكل كلي أو في صورته الأركيولوجية أو الجينيالوجية؛ تنفصل الحفريات إذن من تاريخ الأفكار حيث تتوخى الوقوف عند السبب الذي يجعل المعارف والنظريات شيئا ممكنا، هذه إذن هي الإستراتيجية التي سيطرت على معظم كتابات ميشيل فوكو السابقة الذكر .
غير أن هذا التفاؤل الجينيالوجي من جهة فوكو لم يمنعه من التخوف على المصير الذي يمكن أن تؤول إليه معظم المعارف التي سبق للجينيالوجيا أن كشفت عليها؛ إذ يمكن أن تعمل الخطابات الرسمية على إدراجها وجعلها ضمن أنساقها وخطاباتها الخاصة وأثارها الممركزة للسلطة... كما أن محاولة تأسيس خطاب محايد من طرف المفكرين من شأنه أن يقود إلى نفس الدوغمائية ؛ ويؤدي إلى الوقوع في نفس المصيدة؛ إذ يمكن أن يبرز من يحاول أن يحط من قيمة بعض المعارف على أساس الفكرة التي جسدها موقف السيد جوكان juquin؛ الذي صرح في تقييمه لبعض التخصصات العلمية بالقول:" كل هذا أمر طيب ولكن يبقى العلاج النفسي السوفيتي هو الأول في العالم"؛ هذه الفكرة لا يقول فوكو بخطئها وإنما يعترض على طريقة صاحبها في النظر إلى الأشياء؛ ذلك أن صمت الجينيالوجيات هو الذي يمكن أن يحفز على طرح أسئلة جديدة، من أجل العمل على تصعيد معركة الجينيالوجيا ضد أثار سلطة الخطاب العلمي. وهنا يقدم فوكو مثالا بليغ الأهمية مفاده أن صمت الخصم لا يدل دائما على خوفه؛ إذ يمكن أن يدل كذلك على أننا لا نخيفه إطلاقا لهذا يدعو فوك والى ضرورة تكثيف الجهود من أجل بلورة أعمال تبرز الرهان الذي يتضمنه هذا التعارض والنضال والصراع بين الجينيالوجيات والنظريات الأحادية ؛أو هذه الانتفاضة الخاصة بالمعاني ضد المؤسسة وأثار المعرفة والسلطة الخاصة بالخطاب العلمي .
وتنطلق مسألة معرفة رهان هذه الجينيالوجيات –حسب فوكو- من خلال البدء بطرح الأسئلة التالية: ما هي السلطة في اقتحامها وقوتها...كما ظهر بشكل ملموس في السنوات الأربعين الأخيرة من جهة انهيار النازية ومن جهة أخرى في تراجع الستالينية؟ فما هي السلطة إذن؟
5-التصور القانوني والاقتصادي للسلطة
يرى ميشيل فوكو أن الغاية من مساءلة السلطة، هي العمل على تحديدها؛ من خلال كشف آلياتها وأثارها وعلاقتها بمختلف جاهزيات السلطة الممارسة، وفي هذا الإطار يميز ميشيل فوكو بين تصورين لظاهرة السلطة:
1- التصور القانوني أو الليبرالي للسلطة: أي التصور الذي نلمسه من خلال كتابات فلاسفة القرن الثامن عشر ..
2- التصور الماركسي للسلطة : الذي يرتبط بالتنظيرات ذات الأصول الماركسية لظاهرة السلطة السياسية في علاقتها بالبنيات الاقتصادية للمجتمع.
ويبرز ميشيل فوكو القواسم المشتركة بين هذين التصورين من خلال اعتماد مفهوم "الاقتصادية" في نظرية السلطة؛ على اعتبار أن النظريات الكلاسيكية للسلطة تنظر إلى السلطة كحق يمتلك أو ثروة يمكن تحويلها والتخلي عنها بشكل جزئي أو كلي؛ من خلال عقد يتفق عليه جميع أفراد المجتمع من أجل تأسيس سيادة ودستور للمجتمع قائم على التبادل العقديcontractuel ؛ هذا التيار جسدته كما سبقت الإشارة كتابات فلاسفة العقد الاجتماعي مثل جون جاك روسو الذي سعى إلى محاولة تأسيس مجتمع مدني قائم على حقوق المواطنين السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ في ظروف تخول لبعض الأفراد امتلاك السلطة بالشكل الذي يحقق نوع من التماثل بين السلطة والأملاك؛ أو بين السلطة والثروة.
هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن تحليل إستراتيجية عمل السلطة في التصور الماركسي، يقتضي ضرورة استحضار مفهوم " الوظيفة الاقتصادية" عندما ترتبط السلطة بعلاقات الإنتاج التي تسعى إلى ضمان هيمنة الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج على الطبقة العاملة؛ بمعنى أن نظرية السلطة في التحليل الماركسي تجد في الاقتصاد مسوغ وجودها التاريخي.
غير أن التحديد لنظريات السلطة في تصورين لا يسمح حسب فوكو من تقديم تحليل علمي سليم؛ على اعتبار أن التحليل الجينيالوجي يفرض ضرورة طرح أسئلة مغايرة وذات راهنية؛ من أجل العمل على تقديم تحليل غير اقتصادي وخال من أي إيديولوجية.
على هذا الأساس يقترح ميشيل فوكو مجموعة من الأسئلة المفارقة؛ تعكس طريقة جديدة في الفهم والتحليل وهي على الشكل التالي:
أولا: هل السلطة هي دائما في وضع ثان مقارنة مع بالاقتصاد ؟ وهل هي محكومة دائما بوظيفة الاقتصادي ؟ وهل مسوغ السلطة وغايتها خدمة الاقتصاد ؟
ثانيا: هل السلطة مندمجة على أساس من السلعة ؟ هل السلطة شيء يتم امتلاكه والتنازل عنه بواسطة عقد أو قوة؟ ما هي الأدوات التي يمكنها اعتمادها لتجاوز التحليل الاقتصادي للسلطة ؟
ينطلق ميشيل فوكو في إجابته عن هذه الأسئلة، من التأكيد على أن السلطة لا تعطى ولا تتم مبادلتها، وإنما تمارس؛ أي أن السلطة لا توجد إلا في الفعل والممارسة؛ الأمر الذي يجعلنا نبتعد عن الفكرة التي تعتبر السلطة مجرد حصيلة للعلاقات الاقتصادية، رغم كون السلطة في جوهرها تعبير عن علاقات قوة؛ وهو بذلك يحاول تجاوز التصورات التقليدية لظاهرة السلطة عن طريق طرح المزيد من الأسئلة من قبيل : إذا كانت السلطة ممارسة؛ فماذا تعني هذه الممارسة ؟ ممن تتكون ؟ وما هي آلياتها ؟
تنفتح هذه الأسئلة على مجوعة من الأجوبة التي بلورها ميشيل فوكو من خلال تمييزه بين السلطة بوصفها حربا وبين السلطة بوصفها قمعا.
6-السلطة بوصفها قمعا والسلطة بوصفها حربا:
يقترح ميشيل فوكو في محاولته للإجابة على الأسئلة السالفة الذكر مجموعة من الأجوبة الأولية التي يحددها في:
- جواب ظرفي أولي : يعتبر السلطة كظاهرة قائمة أساسا على القمع؛ أي أنها برامج تسعى إلى قمع الغريزة( غريزة الفرد؛الطبقة؛ المجتمع ككل)؛ التوجه الذي تجسده بعض الخطابات العلمية سواء مع ماكس فيبر الذي يعتبر القمع من الوسائل المهمة والمشروعة التي تعتمدها السلطة من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار. والى جانب ذلك نجد تحليلات فرويد الذي يعتبر أن النسق الاجتماعي ككل يتعارض مع الغرائز الإنسانية؛ وبالتالي من أجل الاندماج مع المجتمع يكون من المفروض على الأفراد كبت غرائزهم أي تعرضهم للقمع المتواصل. هذا الخطاب القمعي تتداوله أغلب الخطابات المعاصرة حول السلطة بتجلياتها المختلفة.
- جواب ظرفي ثان : يقوم على أساس اعتبار السلطة علاقات قوة قائمة على المواجهة والحرب؛ أي أن السلطة هي الحرب المستمرة بوسائل أخرى توافقا مع مأثور فون كلوزفيتر ؛ الذي يعمل ميشيل فوكو على عكسه ليصبح " السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى"؛ الأمر الذي يعني حسب ميشيل فوكو ثلاثة أمور أساسية:
أولا: علاقات السلطة الممارسة في مجتمع مثل مجتمعنا لها علاقة بالقوة في لحظة زمنية وتاريخية محددة ؛ هذه العلاقة قائمة على الحرب وبالحرب؛ إذ أن السلطة لا تتخلى الحرب أو تستبعد أثارها، وإنما تعمل على تحييد عدم التوازن الظاهرة في المعركة الأخيرة للحرب؛ بحيث تكون للسلطة دور في إعادة تثبيث لعلاقة من خلال نوع من الحرب الصامتة المطبقة على المؤسسات والأجسام، الفعل الذي يجعل السياسة مجرد معاقبة مستمرة تتواصل فيها التفاوتات في القوة الظاهرة في الحرب أو الناتجة عن الحرب.
ثانيا: إن قلب مأثور فون كلوزفيتر يفيد على أنه رغم مناشدة المجتمع للسلم المدني لم تكف الصراعات والمواجهات عن الانتشار سواء في السلطة أو خارج السلطة؛ الأمر الذي يجب أن ننظر إليه كحلقة وجزء أساسي من انتقالات الحرب من مجال لأخر؛ مما يجعل أن التنظير لتاريخ السلم استدعاء بالضرورة لتاريخ الحرب ولآلياته الرئيسية.
ثالثا : إن امتلاك السلطة على الحرب يعني امتلاك سلطة القرار؛ على اعتبار أن القرار لا يصدر إلا عن طريق خوض حرب تمكن من اختبار قوة السلاح في إطار معركة تمارس في السلطة بوصفها حربا مستمرة.
ويخلص ميشيل فوكو الى أن تمظهرات السلطة السالفة الذكر تفتحنا كذلك على فرضيتين أساسيتين:
-الفرضية الأولى: يربطها فوكو بوليام رايش؛ ويطلق عليها اسم علاقات السلطة القائمة على القمع.
-الفرضية الثانية : يقرنها فوكو بنيتشه؛ تتمظهر فيها علاقات السلطة على أساس المواجهة الشرسة بين القوى السلطوية في المجتمع.
ويرى ميشيل فوكو أنه رغم تعارض التصورين ظاهريا؛فهما مترابطان ومتشابهان في العمق؛ إذ أليس القمع -وبعبارة أخرى- ألا يعد القمع نتيجة سياسية للحرب مثله مثل الاضطهاد في النظرية الكلاسيكية للحق السياسي حيث هو تعد وتجاوز للسيادة في النظام القانوني ؟
ولتجاوز هذا القلق في التحديدي لظاهرة السلطة؛ يحاول ميشيل فوكو أن ينمذج مختلف أنساق وأنظمة السلطة التي عرفها المجتمع البشري؛ حيث يعاض بين نسقين أو نظامين في تحليل السلطة:
• النسق الأول: يسميه فوكو بالنظام القديم ، ويربطه بفلاسفة القرن الثامن عشر، الذي يتمحور حول اعتبار السلطة حقا أصليا نتنازل عنه من أجل تأسيس وتكوين سيادة عن طريق عقد اجتماعي contrat social يكون بمثابة القاعدة المركزية للسلطة بمختلف أنواعها؛ غير أن تجاوز السلطة لنفسها عن طريق اختراق قوانين العقد يمكن أن تؤدي إلى حدوث الطغيان .
• النسق الثاني: و هو نظام يتجاهل مخطط العقد؛ ويتبنى خطاب للسلطة من خلال اعتماد مفاهيم الحرب والقمع القائمة على الهيمنة المستمرة التي تحول دون ن قدمها تنضوي ضمن مخططات القمع والصراع؛ إذ أن مفهومي"الحرب"و"القمع" يجب التفكير فيهما إلى جانب كل الفرضيات السابقة من أجل تقديم رؤية واضحة ومحدودة؛ تستمد وجاهتها من التحليل الجينيالوجي لهذه المفاهيم على ضوء دراسات ميشيل فوكو حول" تاريخ الجنون..." و" مراقبة جنسانية الطفل"، كل هذه المواضيع تكشف عن ترسخ فكرة القمع وتجدرها في العلاقات الإنسانية السلطوية عبر العصور.
وعلى ضوء هذه الملاحظات ينفتح ميشيل فوكو على مجموعة من القضايا المهمة التي لها علاقة وثيقة بمفهومي الحرب والقمع ؛ والتي جسدها في الأسئلة التالية: هل مفاهيم التكتيك والإستراتيجية وعلاقات القوة مشروعة وصحيحة؟ وبأي معنى؟ وهل السلطة بكل بساطة هي الحرب المستمرة بوسائل أخرى من غير أسلحة ومعارك ؟ هل للسلطة إذن مهمة الحفاظ على المجتمع ؟ هل يجب لنظر إلى البنية السياسية للمجتمع كتنظيم يضمن للكل أن يدافعوا عن أنفسهم في مواجهة الأخريين ؟
في الأخير يخلص ميشيل فوكو إلى تقديم مجموعة من المواضيع التي تشكل الهيكل والمخطط العام للدورس التي سيقدمها في "الكوليج دي فرانس" والتي انحصرت في غالبها حول مفهومي القمع والحرب؛ نظرا لأهمية هذين المفهومين وراهنيتهما كإطار نظري لقراءة مختلف مكونات المجتمع المحلي والدولي الذي أصبح يعيش تحت وطأة الصراع بين الأعراق والديانات والدول.

خلاصة:
حاول ميشيل فوكو إذن من خلال المحاضرة التي تطرقنا إليها؛ دراسة ظاهرة السلطة من خلال الارتكاز على طريقة جديدة في التحليل تتجاوز كل التصورات الوثوقية والدوغمائية فاتحة المجال أمام إمكانية إشباع شهية السؤال الأركيولوجي بالمزيد من الحفر في صفحات تاريخ الفكر؛ من أجل تقديم تأويلات معقولة تتلاءم مع خطة البحث التي ينهجها، والتي تتمحور أساسا حول هدف الوصول إلى الحقيقة في نظام الخطاب؛ إذ أن الموضوع العام الذي يؤطر فلسفة فوكو ليس هو المجتمع بل خطاب الصواب والخطأ؛ حيث عملت الأركيولوجيا على تخليص تقنية التأويل من كل بطانة هيرمونيتكية أو أنثروبولوجية، من خلال مراجعة كل المفهومات الميتافيزيقية اقتداء بجينيالوجيا نيتشه وانطولوجيا هايدغر.


الفهرس
تقديــــــــــم....................................................................................................1
1-ماهو الدرس؟...........................................................................................................................2
2-المعارف الخاضعة...........................................................................................2
3-المعرفة التاريخية بالصراعات والجينيالوجيات والخطاب العلمي.......................................3
4- السلطة ورهان الجينيالوجيات.............................................................................4
5- التصور الاقتصادي والقانوني للسلطة.....................................................................5
6- السلطة بوصفها قمعا والسلطة بوصفها حربا الحديثة....................................................7
خلاصة...........................................................................................9
الفهرس..............................................................................10

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ميشيل فوكو دفاعا عن المجتمع
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى :: 
منتدى الخدمات العامة لجميع الباحثين
 :: 
قضــــايا ومنــاقـشــــات فى كل المجالات
-
انتقل الى: