إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى

منتدى دار إنسـانيات للبحوث والنشر
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مكافحة الإرهاب ولعبة إبليس الأبدية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د. فرغلى هارون
المدير العـام

avatar

ذكر عدد الرسائل : 3278
تاريخ التسجيل : 07/05/2008

مُساهمةموضوع: مكافحة الإرهاب ولعبة إبليس الأبدية   9/6/2014, 9:12 pm

مكافحة الإرهاب..
ولعبة " إبليس " الأبدية!!
 
لعبة خلط الأوراق والمفاهيم، وتلبيس الحق بالباطل، لعبة قديمة ترجع أصولها الشيطانية إلى ما قبل وجود الإنسان على الأرض!!؛ فأول معصية في تاريخ البشرية، وهي معصية آدم عليه السلام لربه بالأكل من الشجرة التي نهاه عنها، كان سببها خلط المفاهيم، يقول ربنا عز وجل: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35]، لقد أسكن الله آدم وزوجه حواء الجنة، وأباح لهما كل ما تشتهي أنفسهما، ولكنه حرم عليهما شجرة واحدة، مجرد شجرة، لا تختلف عن باقي شجر الجنة، ولذلك فمن المستحيل عقليًّا أن يعصي آدم ربه ويقرب هذه الشجرة، ففي الجنة على اتساعها ما يغني عنها.
 
ولكن إبليس اللعين دخل لآدم عليه السلام من باب خلط المفاهيم، فصور له الشجرة التي نهاه الله عنها من مجرد شجرة عادية إلى "شجرة الخلد وملك لا يبلى"، يقول تعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ﴾ [طه: 120]، لقد ضلل إبليس اللعين آدم عليه السلام وخلط عليه الأمور، وألبس له الباطل لباس الحق؛ قال تعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾ [الأعراف: 20]، بل أنه زاد في تضليله لدرجة أنه: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 21]، فاختلط الأمر على آدم عليه السلام وزوجه وصَدَّقَا الملعون: ﴿ فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: 121].
 
واستمر هذا منوال إبليس اللعين مع أبناء آدم من بعده، يخلط لهم الأوراق، ويلبس عليهم المفاهيم؛ ليوقعهم في الغواية والمعصية، وفي عصرنا الحاضر تستمر هذه اللعبة الشيطانية، يمارسها شياطين الإنس - تلاميذ إبليس المخلصين - ليضللوا الناس ويضلونهم، ويلبسوا لهم الحق بالباطل، ليحققوا من وراء ذلك مكاسبهم الخاصة ومنافعهم الشخصية.
 
وينطبق ذلك تمامًا على مفهومي الإرهاب والمقاومة، فعلى الرغم من أن الشرائع السماوية كلها، والنصوص والأعراف الدولية والإنسانية جميعها، تؤكد التباين والاختلاف بين المقاومة المشروعة لكل ظالم أو غاصب أو محتل من جهة، والإرهاب المجرم من جهة أخرى - فإن الولايات المتحدة الأمريكية - القوة العظمى المتفردة بالسيطرة والهيمنة على العالم شرقه وغربه – سعت إلى تغييب المعايير الدولية والإنسانية، وإحلال الانتقائية محلها، فأخذت تخلط المقاومة بالإرهاب، بل تصاعد هذا الخلط بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 الأمريكية، لتصنف أمريكا العالم إلى فريقين؛ إما معها في نظرتها ومفهومها للإرهاب، والحرب عليه ومكافحته، وإما مع الإرهاب!
 
وقد استندت الولايات المتحدة في هذه اللعبة على حقيقة واقعة، وهي أنه لا يوجد تعريف محدد وواضح ومتفق عليه دوليًّا لمفهوم الإرهاب، فرغم وجود أكثر من 900 تعريف للإرهاب، فإنه من الصعوبة بمكان العثور على تعريف واحد محدد ودقيق يتوافق عليه الجميع، وعلى الرغم من وجود اثنتي عشرة اتفاقية دولية حول الإرهاب، فإن المجتمع الدولي لَم يتوصل بعدُ إلى تعريف محدد لمفهوم الإرهاب الذي تدور حوله كل تلك الاتفاقيات والقرارات.
 
وكما يؤكد فيلسوف التفكيك الفرنسي جاك دريدا فإنه: "كلما ازداد المفهوم غموضًا، أصبح عرضة للتطويع الانتهازي، فقد أمكن الإشادة بإرهابيين باعتبارهم مكافحين من أجل الحرية، في سياق المقاومة ضد الاحتلال السوفيتي في أفغانستان على سبيل المثال، وجرى التنديد بهم باعتبارهم إرهابيين في سياق آخر"[1].
 
ومن هنا فقد تبنت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب وأذنابها في دول العالم الثالث بوجه عام والعالم العربي بوجه خاص - مفهومًا خاصًّا للإرهاب، تعمدت أن يكون مطاطًا وفضفاضًا، بحيث ينطبق فقط - في أغلب الأحيان - على مظاهر وأساليب المقاومة والممانعة العربية الإسلامية للتغريب والهيمنة، ولمصالح الحلف الصهيوأمريكي في العالمين العربي والإسلامي، بل وأصبح العنوان الرئيسي لمحاربة أي محاولة إسلامية للوصول إلى الحكم، أو تطبيق الشريعة الإسلامية في أي بلد عربي - خاصة منذ بزوغ شمس الثورات العربية في يناير 2011 - هو "مكافحة الإرهاب"!!
 
وهكذا تحول مصطلح الإرهاب، على أيدي الأمريكان ومَن والاهم، وسار في ركابهم شرقًا وغربًا؛ ليصبح ثوبًا فضفاضًا تضعه قوى معينة على جسد غيرها، وتوجه الاتهام لها في ظل غيبة التعريف القانوني الدقيق واختلاط المفاهيم المرتبطة به، وهو أمر يدعو إلى القلق الحقيقي، فسوف يتحول ذلك الرداء الأحمر الذي يشبه (بدلة الإعدام) إلى ذريعة لتصفية من يريدون الخلاص منه، وتشويه من يرغبون في إقصائهم"[2].
 
مستعينين في ذلك بأذرعهم الإعلامية القوية، خاصة الإعلام المرئي، الذي أصبح يمتلك تقنيات إيصال هائلة في أيامنا هذه، وأصبح يمارس من خلالها عملية غسيل يومي، وعلى مدار الساعة، لأدمغة الناس ليقنعهم بوجهة النظر التي يريدونها، بحيث يمكن أن نطلق على وسائل الإعلام هذه وصف "رأس الحربة" في نشر وترويج الأفكار الموالية أو المعادية لفصيل معين أو تيار معين في أي مجتمع، وفقًا لما يخدم أجندة المصالح الصهيوأمريكية، فالإعلام كما يرى البعض "أصبح لا يقل أهمية أو خطورة عن البندقية والمدفع والصواريخ العابرة للقارات"[3].
 
في ظل هذه الظروف تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تأكيد المفاهيم الإنسانية السليمة للمقاومة والكفاح والجهاد والثورة ضد الظلم والقهر، والحفاظ عليها حقوقًا إنسانية ثابتة، والمحافظة على شرعيتها وضمان المساندة الدولية لها، وتمييزها تمامًا عن أي أعمال يمكن أن توصف بالإرهاب والوحشية، استنادًا إلى العمق الحضاري والأصالة الفكرية للأمة العربية الإسلامية التي يؤكد تاريخها أنها أمة تكافح الإرهاب وترد العدوان، وتدفع الظلم وتنصر المظلوم.
 
كذلك تبدو الحاجة ملحة إلى ضرورة إيقاظ الوعي العربي والإسلامي بطبيعة لعبة خلط الأوراق واللعب بالمصطلحات والمفاهيم التي تمارسها وسائل الإعلام لصالح مشروع الهيمنة الصهيوأمريكي، تمهيدًا لتثوير هذا الوعي؛ ليكون وعيًا ناقدًا لما يُقدم له من أخبار ومواد إعلامية مختلفة، بحيث يستطيع تمييز الغث من الثمين، والحقيقي من الزائف، والجاني من المجني عليه.
 
إن من أهم ما يرمي إليه مبتدعو مصطلح الإرهاب - بمفهومه الأمريكي - هو انتزاع حق المقاومة ضد كل ما هو جائر وباطل وظالم، وحق الثورة على الطغيان والتجبر والفساد، وبالتالي فإن لعبة خلط الأوراق وإلصاق تهمة الإرهاب بكل ما هو إسلامي - التي يمارسها الحلف الأمريكي الصهيوني - ليست إلا مؤامرة جديدة تهدف إلى اقتلاع ما تبقى لهذه الأمة من قدرة على المقاومة والصمود في وجه القهر والطغيان، وأن هذا الخلط المتعمد بين الإرهاب والمقاومة، تقف وراءه دوافع المصلحة، مصلحة أمريكا في إبقاء دول الشرق الأوسط عامة والدول العربية خاصة، تحت السيطرة والوصاية الأمريكية، ومصلحة إسرائيل في ضمان أمنها وتحقيق طموحاتها التوسعية السرطانية التي لا تنتهي، كما تقف وراءه عقيدة أصولية مسيحية صهيونية كارهة للعرب والمسلمين، ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وفي أعماق العقل الجمعي الأوروبي الصهيوني، مُحرضة على معاداة الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
 
ولكن رغم ذلك، ورغم أنف أمريكا وحلفائها في الشرق والغرب، سوف تظل المقاومة والثورة ضد الفساد والظلم والطغيان حقًّا مشروعًا لكل مظلوم أو مقهور، فهي شرف الأمة كلها، والحصن الأخير الذي إذا لم تلتف الأمة كلها حوله وتدافع عنه، فإن رياح الطغيان الأمريكي الصهيوني ستقتلع ما تبقى لنا من حق أو كرامة.
 
تحية لكل أبطال المقاومة في كل أرض مغتصبة، وفي كل بلد منتهك مقهور، تحية لمن أراقوا دماءهم وهم يطالبون لنا بحريتنا، وليحفظوا لنا ماء وجوهنا في زمن التخاذل والهوان!

--------------------------------------------------------------------------------
[1] جاك دريدا، ما الذي حدث في حدث 11 سبتمبر؟ ترجمة: صفاء فتحى، مراجعة: بشير السباعي، المشروع القومي للترجمة، العدد 531، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003 ص84.
[2] مصطفى الفقي، العرب الأصل والصورة، دار الشروق، طبعة خاصة بمكتبة الأسرة، 2002. ص304.
[3] عبدالرحمن عمار، قضية الإرهاب بين الحق والباطل، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003. (نسخة إلكترونية)

رابط الموضوع:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قربت أموت

بانده عليكى بأعلى صوت

دفينى بحنانك لاموت

بانده ولا بيجينى صوت

ما تردى يا امه بنظره حتى من عنيكى

د. فـرغلى هــارون
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://social.subject-line.com
 
مكافحة الإرهاب ولعبة إبليس الأبدية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى :: 
منتدى الخدمات العامة لجميع الباحثين
 :: 
قضــــايا ومنــاقـشــــات فى كل المجالات
-
انتقل الى: